غرق سفينتين يكشف تحوّل الحرب البحرية إلى معركة على مفاتيح الاقتصاد الدولي

نيويورك – زينة بلقاسم – الأمم المتحدة
في عام 1987، كانت ناقلات النفط الكويتية تعبر مياه الخليج تحت حماية السفن الحربية الأميركية، بعدما تحولت حرب العراق وإيران إلى مواجهة تستهدف شرايين التجارة والطاقة. يومها، أدرك العالم أن السيطرة على البحر لا تتطلب احتلال شواطئه، بل القدرة على جعل المرور فيه محفوفاً بالمخاطر. وبعد نحو أربعة عقود، يعود المشهد إلى مضيق هرمز، لكن بأدوات أكثر تعقيداً: صواريخ مضادة للسفن، وطائرات مسيّرة، وألغام بحرية، وأنظمة مراقبة إلكترونية. ففي تطور نوعي يوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026، أكدت السلطات السنغافورية غرق سفينة الحاويات «جي إف إس برايد» عقب تعرضها لمقذوف مجهول أثناء عبورها المضيق، بينما كشفت وكالة «رويترز» عن غرق سفينة ثانية لنقل البضائع السائبة تُدعى «كيب داو»، كانت قد تعرضت لهجوم سابق في سبتمبر. وهكذا لم تعد المواجهة تدور فقط حول اعتراض الناقلات أو تعطيل حركتها، بل وصلت إلى فقدان سفن تجارية كاملة، في منطقة كانت تعبرها، قبل الحرب، نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل أصبح هرمز أداة تفاوض عسكرية في يد طهران، أم أن تصاعد الهجمات يهدد بتحويل المضيق إلى منطقة تخشى شركات الملاحة دخولها، حتى عندما تتوافر الحماية العسكرية؟ MPA
وتكشف التفاصيل الرسمية حجم التطور. فقد أعلنت هيئة الملاحة والموانئ السنغافورية، في بيان صدر يوم 14 أكتوبر، أن سفينتي الحاويات «جي إف إس برايد» و«جي إف إس جيزيل» تعرضتا لمقذوفات مجهولة يومي 13 و14 أكتوبر على التوالي. وأوضحت أن السفينة الأولى اشتعلت فيها النيران قبل غرقها، لكن أفراد طاقمها البالغ عددهم 21 بحاراً أُجلوا جميعاً بسلام. أما السفينة الثانية، فقد تعرض هيكلها لأضرار، لكنها تمكنت من الوصول إلى منطقة رسو آمنة بقوة محركاتها، ونجا أفراد طاقمها البالغ عددهم 22 شخصاً. وفي حادثة منفصلة، أفادت «رويترز»، استناداً إلى بيانات المنظمة البحرية الدولية، بأن سفينة الشحن «كيب داو»، المسجلة تحت علم أنتيغوا وبربودا، غرقت بعد تعرضها لأضرار نتيجة هجوم وقع يوم 23 سبتمبر وأودى بحياة أحد أفراد طاقمها آنذاك. وهذا التمييز الزمني مهم؛ فالغرق الثاني أُعلن في 14 أكتوبر، لكن الهجوم الذي تسبب في الأضرار وقع قبل ثلاثة أسابيع. ووفق مراجعة «رويترز» لبيانات الحوادث البحرية، أصبحت السفينتان ثاني وثالث سفينتين تجاريتين تغرقان في المنطقة منذ اندلاع الحرب الأميركية الإيرانية في 28 فبراير الماضي. وهنا تكمن دلالة الخبر: فالمقذوف الذي يعطل سفينة اليوم قد يتحول بعد أسابيع إلى خسارة كاملة، حتى عندما تنجح عمليات إجلاء الطاقم. MPA
لكن الحكاية الأكثر حساسية جاءت من طهران. فقد أعلنت بحرية الحرس الثوري الإيراني أن سفينة حاويات تحمل نحو 2500 حاوية غرقت بعدما اصطدمت بلغم بحري أثناء مرورها في مسار وصفته بأنه غير مصرح به جنوب مضيق هرمز. ونقلت «أسوشيتد برس» الرواية الإيرانية، لكنها أوضحت أن المعلومات المنشورة لا تكفي للتحقق بصورة مستقلة من سبب الغرق أو تحديد جميع ملابساته. أما السلطات السنغافورية، فتحدثت عن مقذوفات مجهولة، من دون أن تؤكد اصطدام السفينة بلغم. ورغم أن المعلومات الملاحية والصور المتداولة ترجح ارتباط الروايتين بحادثة «جي إف إس برايد»، فإن طبيعة السلاح المسؤول عن غرقها لم تُحسم بتحقيق مستقل منشور. وهذه ليست مجرد مسألة فنية؛ فالفارق بين لغم بحري ومقذوف موجه يحمل دلالات عسكرية مختلفة. فاللغم قد يشير إلى تلغيم مسبق لمنطقة عبور، بينما يفترض الهجوم الموجه قدرة على رصد السفينة وتعقبها واستهدافها. ولا يجوز الجزم بأي من السيناريوهين انطلاقاً من التصريحات وحدها. AP News
ومن زاوية تحليل المعلومات العسكرية المتاحة للعموم، تشير كثافة الحوادث إلى أن المخاطر أصبحت موزعة على مساحة أوسع من الممر الملاحي. فقد ذكرت صحيفة «فايننشال تايمز» أن 24 سفينة تعرضت لهجمات خلال نحو أسبوعين، بينها ست سفن يوم 11 أكتوبر وحده. وأفادت مجلة «سيتريد ماريتايم»، المتخصصة في شؤون الملاحة، بأن هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أصدرت أربعة تحذيرات جديدة عن هجمات يوم 13 أكتوبر، شملت ناقلة وثلاث سفن حاويات. وهذه الوقائع تؤكد تصاعد وتيرة الاستهداف، لكنها لا تكشف وحدها عن الجهة التي أصدرت أوامر كل هجوم، أو نوع الذخائر المستخدمة، أو وجود خطة عملياتية موحدة. غير أن النمط العام يثير فرضية تستحق المتابعة: انتقال الضغط من التركيز على ناقلات النفط إلى استهداف سفن الحاويات والبضائع السائبة أيضاً، بما يوسع المخاطر من سوق الطاقة إلى التجارة الدولية بأكملها. فإذا أصبحت السفن التجارية غير النفطية معرضة للخطر، فإن شركات الشحن لن تكتفي بإعادة تسعير نقل النفط، بل قد تعيد تقييم الرحلات التجارية وسلاسل التوريد العابرة للخليج. Financial Times
وتفسر الأرقام لماذا يثير هذا التصعيد قلق الأسواق الدولية. فوفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، بلغ متوسط تدفقات النفط والمنتجات البترولية عبر هرمز 21.6 مليون برميل يومياً في الربع الأخير من عام 2025، قبل أن ينخفض إلى 14.9 مليوناً في الربع الأول من 2026، ثم إلى 4.9 ملايين في الربع الثاني. وهذه بيانات تاريخية لفترات محددة، وليست قياساً لحركة أكتوبر. أما «فايننشال تايمز»، فقد نقلت أن تدفقات النفط عبر المضيق هبطت إلى نحو 2.9 مليون برميل يومياً في 11 أكتوبر، مقارنة بذروة يومية قاربت 15.5 مليوناً خلال سبتمبر. وذكرت الصحيفة أن عائدات تأجير بعض ناقلات النفط العملاقة سجلت نحو 805 آلاف دولار يومياً في التاسع من أكتوبر، وهو رقم يعكس ارتفاع تكلفة النقل البحري في سوق يعاني نقص السفن المتاحة وتغير مسارات الرحلات. ولا تعني هذه الأرقام أن جميع الناقلات تدفع المبلغ نفسه، أو أن تدفقات أكتوبر توقفت بالكامل. لكنها تكشف أن تكلفة المخاطر أصبحت جزءاً أساسياً من سعر وصول الطاقة إلى المستهلك. ففي الاقتصاد السياسي للحروب، لا يحتاج تعطيل التجارة دائماً إلى إغلاق الممر بالقوة؛ فقد يكفي ارتفاع احتمالات الخسارة والتأمين لتختار الشركات الانتظار أو تغيير وجهتها. U.S. Energy Information Administration
وتتضاعف حساسية هذه التطورات بالنسبة إلى دول الخليج، التي لا تتشابه قدرتها على تجاوز هرمز. فالسعودية والإمارات تمتلكان خطوط أنابيب تتيح تصدير جزء من النفط عبر منافذ بديلة، وقدرت إدارة معلومات الطاقة الأميركية الطاقة المتاحة للتجاوز عبر خطيهما الرئيسيين بنحو 4.7 ملايين برميل يومياً وفق ظروف التشغيل المرجعية السابقة للحرب. أما العراق والكويت وقطر والبحرين، فتواجه بدرجات متفاوتة تحديات جغرافية ولوجستية أكبر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بصادرات النفط أو الغاز الطبيعي المسال والبضائع التي تعتمد على المرور عبر الخليج. ولا يعني وجود الأنابيب أن كل أنواع الطاقة والبضائع يمكن تحويلها إليها؛ فالخط المخصص للنفط الخام لا ينقل الحاويات أو الغاز المسال. ومن هنا، فإن غرق سفينة حاويات يحمل رسالة اقتصادية مختلفة عن استهداف ناقلة نفط: قد تتمكن دولة من إيجاد طريق بديل لخامها، لكنها لا تستطيع نقل اقتصادها التجاري بأكمله عبر أنبوب. وتصبح الموانئ وشركات التأمين ومخازن السلع وسلاسل الغذاء جزءاً من منظومة الأمن الوطني، لا مجرد مرافق خدمية. U.S. Energy Information Administration
أما واشنطن، فتواجه اختباراً يجمع بين القوة البحرية والدبلوماسية والمصالح الاقتصادية. فقد عززت الولايات المتحدة إجراءاتها العسكرية لحماية الملاحة وممارسة الضغط على إيران، بالتوازي مع حصار بحري يستهدف النشاط التجاري المرتبط بالموانئ الإيرانية. ومن المنظور الأميركي، يمثل تأمين حركة السفن وحماية شركاء الخليج والحفاظ على استقرار إمدادات الطاقة مصالح استراتيجية مترابطة. وفي المقابل، تنظر طهران إلى السيطرة على شروط المرور في هرمز باعتبارها ورقة تفاوض في مواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية. ونقلت «رويترز» عن مسؤولين إيرانيين كبيرين، لم تسمهما، أن رفع أسعار النفط والتأثير في الحسابات السياسية الأميركية قبل انتخابات الكونغرس المقررة في الثالث من نوفمبر يدخلان ضمن أهداف التصعيد الإيراني. لكن هذه المعلومات تبقى رواية منسوبة إلى مصدرين غير معلنين، وليست بياناً رسمياً يثبت وجود قرار موحد لدى جميع المؤسسات الإيرانية. والتحليل الأقرب إلى الوقائع أن واشنطن تحاول المحافظة على حرية الحركة الاقتصادية والأمنية في الخليج، بينما تسعى طهران إلى إثبات أن الضغط عليها يمكن أن يرفع تكلفة التجارة الدولية. وتكمن المعضلة في أن التفوق البحري الأميركي يمنح قدرات واسعة على الردع والمرافقة والاعتراض، لكنه لا يلغي تلقائياً جميع المخاطر التي تستطيع الصواريخ والمسيّرات والألغام فرضها على سفن مدنية بطيئة الحركة. WHBL
وتتابع أوروبا هذا التحول بوصفه تهديداً مزدوجاً للطاقة والتجارة، في وقت لا تزال فيه الحرب الروسية الأوكرانية تفرض ضغوطاً أمنية واقتصادية على القارة. فارتفاع كلفة النقل أو اضطراب إمدادات الوقود قد ينتقل إلى المصانع وشركات الطيران والمستهلكين، بينما تضع الهجمات على السفن المدنية الحكومات الأوروبية أمام أسئلة تتعلق بالمرافقة البحرية وحماية البحارة وحدود المشاركة العسكرية. أما الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، فتجمعها مصلحة اقتصادية في استمرار تدفق الطاقة والبضائع عبر الخليج، رغم اختلاف علاقاتها السياسية مع واشنطن وطهران. وتكتسب سنغافورة أهمية خاصة في المشهد الجديد؛ فهي مركز عالمي للنقل البحري، ولذلك فإن تعرض سفينتين مسجلتين تحت علمها للهجوم ينقل الأزمة من الحسابات الخليجية إلى المؤسسات التي تدير جزءاً كبيراً من التجارة الآسيوية. وقد وصفت هيئة الملاحة السنغافورية الهجمات بأنها غير مبررة ومخالفة للقانون الدولي، ودعت إلى احترام سلامة البحارة وحرية الملاحة. وهنا يتضح أن الصراع لا يتعلق فقط بمن يمتلك السفن الحربية، بل أيضاً بمن يستطيع إقناع شركات النقل والتأمين بأن الطريق التجاري سيظل قابلاً للاستخدام. MPA
وتستدعي الأزمة مقارنة تاريخية مع حرب الناقلات في الثمانينيات، حين دفعت المخاطر المتزايدة على السفن الكويتية الولايات المتحدة إلى تنفيذ عملية «الإرادة الجادة» عام 1987، لإعادة تسجيل عدد من الناقلات تحت العلم الأميركي ومرافقتها عسكرياً. لكن تجربة تلك المرحلة تكشف أن الحماية البحرية لا تعني اختفاء المخاطر؛ فقد اصطدمت الناقلة «بريدجتون» بلغم في يوليو 1987 أثناء إحدى عمليات المرافقة. أما اليوم، فقد أصبحت أدوات الاستهداف أكثر تنوعاً، وباتت متابعة السفن ممكنة بوسائل تقنية عديدة، مع استمرار مخاطر الألغام والمقذوفات. وتكشف المقارنة أن التحدي لا يتمثل في مرافقة السفينة حتى تصل فقط، بل في ضمان استمرارية التجارة بكلفة تستطيع الأسواق تحملها. وتزداد أهمية البعد القانوني هنا، لأن فرض إجراءات أمنية أحادية لا يمنح، بحد ذاته، تفويضاً مفتوحاً لاستهداف سفن تجارية مدنية. ولهذا شددت المنظمة البحرية الدولية مراراً على ضرورة حماية البحارة واحترام حرية الملاحة، داعية إلى ترتيبات عملية ودبلوماسية تقلل المخاطر على الأرواح. International Maritime Organization
وتفتح أحداث 14 أكتوبر ثلاثة مسارات استراتيجية محتملة. يتمثل الأول في نجاح الجهود الدبلوماسية، بمشاركة دول الخليج وسلطنة عُمان والقوى المستوردة للطاقة، في التوصل إلى ترتيبات قابلة للتحقق لتنظيم المرور الآمن وتقليل الهجمات، مع معالجة الخلافات المرتبطة بالحصار الأميركي والقيود الإيرانية. أما الثاني فهو استمرار المواجهة المحدودة والمتقطعة، حيث تبقى بعض السفن قادرة على العبور بينما تتصاعد تكاليف التأمين والتأخير والمرافقة، وهو وضع قد تستمر فيه التجارة جزئياً لكنه يضعف كفاءتها ويزيد أسعارها. ويتمثل المسار الثالث في تصعيد أوسع إذا أدى هجوم جديد إلى سقوط أعداد كبيرة من البحارة، أو ثبت استخدام ألغام بحرية على نطاق يجعل الملاحة أكثر خطورة، أو وقع اشتباك مباشر يوسع المواجهة بين القوات الأميركية والإيرانية. ولا تسمح الأدلة المتاحة بترجيح أي من هذه المسارات بصورة نهائية. وسيكون تحديد سبب غرق السفينة السنغافورية، وتطور عدد الهجمات خلال الأيام المقبلة، وموقف شركات التأمين، ونتائج الاتصالات الدبلوماسية، مؤشرات أكثر موثوقية من التصريحات السياسية وحدها.
وتكشف الخلاصة الجيوسياسية أن التطور الأهم في هرمز لم يعد مجرد تهديد تدفقات النفط، بل امتداد الاستهداف إلى السفن التي تحمل السلع والبضائع الأساسية للتجارة الدولية. فبعد غرق سفينتين تجاريتين وإصابة سفن أخرى، باتت الأزمة تختبر قدرة القوى الإقليمية والدولية على حماية أحد أهم الممرات الاقتصادية في العالم، دون تحويله إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
ولعل المفارقة أن مضيقاً يبلغ عرضه نحو 33 كيلومتراً عند أضيق نقطة أصبح يؤثر في قرارات حكومات وأسواق تبعد عنه آلاف الكيلومترات. ففي الماضي، كانت الإمبراطوريات تتنافس على احتلال الموانئ والتحكم في طرق التجارة. أما اليوم، فقد يكفي صاروخ واحد أو لغم بحري لإجبار شركات عالمية على إعادة حساب تكلفة الوصول إلى الأسواق.
فهل تتحول المواجهة في هرمز إلى تفاوض يضمن أمن الملاحة ويخفف الضغوط الاقتصادية، أم تصبح البحار نفسها أداة دائمة لفرض النفوذ السياسي؟
ذلك هو السؤال الذي يتجاوز غرق سفينتين في مياه الخليج؛ لأن القوة الحقيقية في الاقتصاد العالمي لا تقاس فقط بالقدرة على تعطيل الممرات، بل بالقدرة على إبقائها مفتوحة وآمنة عندما تصبح المصالح السياسية والعسكرية متعارضة.




