التنظيمات المتطرفة: شيطنة منظّمة للعالم و محو لسلامه

 

 

✍️ نيويورك – زينة بلقاسم

يقال إن الطريق إلى الجحيم قد يكون مفروشًا بالنوايا الحسنة. وفي الشرق الأوسط، ثمة طريق آخر بدأ بمدرسة وجمعية ودرس ديني، ثم مرّ بالسجون والمشانق وأفغانستان والعراق وسوريا، حتى وصل بعد عقود إلى رجال ملثمين يهدمون الحدود ويعلنون «دولة» فوق أنقاض دول. لكن التاريخ، وهو أقل حماسًا للشعارات من أصحابها، يقول إن هذه الرحلة لم تكن خطًا مستقيمًا من الإخوان المسلمين إلى القاعدة ثم داعش؛ بل شجرة متشابكة، بدأت بعض جذورها في الإسلام السياسي، ثم غذتها أفكار أكثر راديكالية وحروب واحتلالات واستبداد وانهيار دول، حتى خرجت منها تنظيمات تجاوزت أصحاب الأفكار الأولى أنفسهم في العنف والتكفير.

تبدأ الحكاية في الإسماعيلية عام 1928. ستة رجال التفوا حول مدرس مصري شاب في الثانية والعشرين من عمره اسمه حسن البنا، فولدت جماعة الإخوان المسلمين في مصر الواقعة تحت النفوذ البريطاني. لم تبدأ الجماعة بمنصة لإعلان الحرب على العالم؛ بنت مدارس وجمعيات وخدمات اجتماعية، ورفعت شعار إصلاح الفرد والأسرة والمجتمع والدولة. لكنها توسعت بسرعة، ومع الأربعينيات ظهر داخلها «النظام الخاص»، جهاز سري ارتبط بأعمال عنف واغتيالات. وفي 28 ديسمبر/كانون الأول 1948 اغتال عضو في الجماعة رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي، وبعد أقل من شهرين، في 12 فبراير/شباط 1949، اغتيل البنا نفسه. وكأن الحركة التي أرادت تغيير المجتمع اكتشفت مبكرًا قاعدة ستطارد المنطقة طويلًا: حين يدخل السلاح إلى السياسة، نادرًا ما يسأل صاحبه قبل أن يطلق النار عمّن بدأ الحكاية.

ثم دخل السجن رجل سيصبح تأثيره أكبر من حجمه التنظيمي: سيد قطب. بعد صدام نظام جمال عبد الناصر مع الإخوان في الخمسينيات، اعتُقل قطب وقضى سنوات طويلة خلف القضبان قبل إعدامه في 29 أغسطس/آب 1966. وفي كتاباته، خصوصًا معالم في الطريق، برزت مفاهيم «الجاهلية» و«الحاكمية» و«الطليعة» بصياغة أكثر راديكالية. وهنا انتقل السؤال من: كيف نصلح الدولة؟ إلى سؤال أخطر: هل هذه الدولة والمجتمعات التي تعيش تحتها شرعية أصلًا؟ ويرى باحثون في تاريخ القاعدة، بينهم مايكل دبليو. إس. رايان، أن هذه المفاهيم أصبحت لاحقًا من المواد الفكرية التي استعار منها الجهاديون. ولم يكن قطب قد أسس القاعدة، ولم يكن حسن البنا قد تخيل داعش؛ لكن الأفكار، مثل الأبناء، لا تستأذن آباءها دائمًا عندما تكبر وتغادر المنزل.

وبعد قطب جاء من قال إن الكتب لا تكفي. ظهرت في مصر خلال السبعينيات جماعات أشد راديكالية، بينها الجهاد الإسلامي المصري والجماعة الإسلامية، وفي 6 أكتوبر/تشرين الأول 1981 اغتيل الرئيس أنور السادات خلال العرض العسكري على يد عناصر مرتبطة بالجهاد الإسلامي. ثم فتحت أفغانستان الباب الكبير: بعد التدخل السوفيتي في 1979 تدفق مقاتلون عرب إلى الحرب، وهناك التقت أفكار الجهاد المحلي بشبكات المال والسلاح والسفر والتدريب. برز عبد الله عزام وأسامة بن لادن وأيمن الظواهري، ومن تلك البيئة تشكلت القاعدة قرابة 1988. أصبح العدو بعد ذلك لا يسكن القاهرة أو الرياض وحدهما؛ انتقلت البوصلة إلى «العدو البعيد». وفي 11 سبتمبر/أيلول 2001 اختطف 19 رجلًا أربع طائرات وقتلوا 2,977 شخصًا في الولايات المتحدة. خلال ثلاثة عشر عامًا تقريبًا، انتقلت شبكة خرجت من أفغانستان من معسكرات جبلية إلى تنفيذ الهجوم الإرهابي الأكثر دموية على الأراضي الأمريكية.

لكن التاريخ كان يُعدّ مفارقة أشد قتامة. فالحرب التي شُنت للقضاء على الإرهاب ساهمت ظروف بعضها في ولادة جيل جديد منه. بعد غزو العراق في 2003 برز الأردني أبو مصعب الزرقاوي، وأصبحت جماعته في 2004 «القاعدة في بلاد الرافدين». قُتل الزرقاوي في 2006، لكن التنظيم لم يمت؛ تحول إلى «دولة العراق الإسلامية»، ثم استفاد من انهيار الدولة والحرب السورية بعد 2011، إلى أن ظهر أبو بكر البغدادي في مسجد الموصل الكبير، وفي 29 يونيو/حزيران 2014 أعلن التنظيم «الخلافة». وفي ذروة توسعه سيطر داعش على أراضٍ في العراق وسوريا يسكنها ملايين الأشخاص، وحول الذبح والحرق والاستعباد والإعدامات المصورة إلى صناعة دعائية عالمية. بل إن التنظيم أصبح متطرفًا إلى درجة أن القاعدة نفسها تبرأت منه في فبراير/شباط 2014. تخيل المفارقة: التنظيم الذي كان العالم يراه عنوانًا للتطرف وجد تنظيمًا آخر يقول له، بمعنى ما، لقد ذهبتم بعيدًا أكثر مما ينبغي.

ومن العراق وسوريا لم تتوقف العدوى عند الحدود التي كان داعش نفسه يتباهى بمحوها. ظهرت أو توسعت فروع وشبكات تحت رايات القاعدة وداعش من الساحل الأفريقي إلى الصومال واليمن وأفغانستان؛ حركة الشباب، القاعدة في جزيرة العرب، القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، داعش-خراسان، داعش غرب أفريقيا وغيرها. لكنها ليست جميعًا أبناء تنظيميين للإخوان، وهذه حقيقة لا يجوز التضحية بها من أجل عنوان مثير. بعض التنظيمات تأثر بقطب، وبعضها بالسلفية الجهادية، وبعضها نشأ من صراعات قبلية ومحلية ثم ارتبط بتنظيم عالمي. بل إن الإخوان والتيارات الجهادية أصبحوا في مراحل كثيرة خصومًا لبعضهم. الباحث مارك لينش وغيره من دارسي الإسلام السياسي يشددون لذلك على ضرورة الفصل بين الإسلاموية السياسية والسلفية والجهادية والقاعدة وداعش. فجمعها في صندوق واحد قد يصنع جملة تلفزيونية سهلة، لكنه يصنع تاريخًا رديئًا.

والأرقام تقول إن الثمن لم تدفعه «الدول الغربية» وحدها كما توحي دعاية المتطرفين، بل دفعه المسلمون قبل غيرهم. ففي العراق وسوريا وأفغانستان وباكستان والصومال ونيجيريا والساحل، كانت المجتمعات المسلمة نفسها من أكبر ساحات وضحايا الإرهاب الجهادي. وبينما خسر داعش آخر جيوبه الإقليمية الكبرى في الباغوز بسوريا في مارس/آذار 2019، لم تختفِ الفكرة مع سقوط «الخلافة». وهذا هو الجزء الذي يقلق خبراء مكافحة الإرهاب: تستطيع الطائرات تدمير معسكر، ويمكن للقوات الخاصة قتل قائد، لكن لا توجد قنبلة ذكية تستطيع قصف فكرة داخل رأس إنسان.

ولذلك يصبح من السهل جدًا أن نقول إن التطرف بدأ من كتاب أو شيخ، والأصعب أن نسأل لماذا وجد الكتاب جيشًا من القراء المستعدين للقتل. فالسجون والتعذيب والاستبداد، ثم أفغانستان، وغزو العراق، والحرب السورية، والانقسامات الطائفية، والبطالة، وانهيار المؤسسات، وتجارة السلاح والتمويل غير المشروع، كلها صنعت البيئة التي احتاجتها التنظيمات. الأيديولوجيا أعطت العنف لغته، لكن انهيار الدولة أعطاه أرضًا يحكمها. وفي كل مرة انسحبت فيها المدرسة والمستشفى والمحكمة والشرطة من مدينة، ظهر رجل مسلح ليقول للسكان: أنا الدولة الآن.

وبعد 98 عامًا من تأسيس الإخوان المسلمين تبدو المفارقة واضحة. الجماعة التي بدأت في الإسماعيلية عام 1928 لم تنجب تنظيميًا كل جماعة متطرفة ظهرت بعدها، ولا يصح تحميل ملايين الإسلاميين أو المسلمين جرائم القاعدة وداعش. لكن بعض الأفكار الراديكالية التي تطورت في بيئة الإسلام السياسي، وخصوصًا القطبية، عبرت الحدود التنظيمية؛ أخذها آخرون، أضافوا إليها التكفير والجهاد العالمي وتجارب السجون والحروب، ثم سلمها جيل إلى آخر حتى أصبحت شيئًا مختلفًا عن نقطة البداية.

وهنا ربما يكون التاريخ أكثر سخرية من الجميع: حسن البنا مات قبل أن يرى القاعدة، وسيد قطب مات قبل تأسيسها بأكثر من عشرين عامًا، وأسامة بن لادن قُتل قبل إعلان «الخلافة»، والبغدادي قُتل بعد سقوطها… لكن الفكرة المتطرفة لم تحتج إلى أي واحد منهم كي تستمر.

تغيرت الوجوه، وسقطت الرايات، وانتقلت الخرائط من الإسماعيلية إلى كابول، ومن كابول إلى بغداد، ومن بغداد إلى الرقة والموصل، ثم إلى الساحل وخراسان.

وبقي السؤال الذي لم تنجح قرابة مئة سنة من السجون والحروب والطائرات المسيّرة في الإجابة عنه:

كيف يهزم العالم التطرف من دون أن يشيطن الإسلام، وكيف يحاصر الأيديولوجيا التي تبرر قتل المختلف من دون أن يصنع، بالقمع والحرب وانهيار الدول، البيئة نفسها التي تحتاجها كي تولد من جديد؟

لأن المشكلة في النهاية ليست أن تنظيمًا إرهابيًا يستطيع أن يمحو السلام. بل المشكلة أن العالم يقتل التنظيم أحيانًا… ثم يترك له الأسباب التي ستنجب خليفته.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى