باب المندب .. الهدف الإيراني الذي قد يتحول إلى فخ للقضاء على الحوثي

✍️ بقلم / عبدالرزاق قاسم
وجه الحوثي مجهوده الرئيسي وأغلب قدراته العسكرية نحو الساحل وباب المندب، في محاولة لاختراق المواقع والوصول إلى المضيق الذي يمثل الهدف الاستراتيجي الأهم من هذا التصعيد الذي أقدم عليه، مدفوعا من إيران.
والحاجة الإيرانية إلى الوصول إلى باب المندب، في ظل الظروف التي تمر بها طهران والصراع الذي تخوضه، تبدو معروفة للجميع، ولذلك فإن ما يجري في الساحل لا يمكن قراءته باعتباره مجرد جبهة عسكرية محلية وحسب، وإنما جبهة مزدوجة الأهمية والغايات.
وعلى هذا الأساس، يجد الحوثي نفسه مجبرا على الاستمرار في القتال باتجاه المضيق، رغم أن المعطيات القائمة تشير بوضوح إلى أن الوصول إليه لن يكون سهلا، وأن الطريق نحوه لن يكون ممهدا، وسيواجه رد فعل قادر على إلحاق خسائر كبيرة بقواته وعرقلة تقدمه.
ومع ذلك، لا أعتقد أن الحوثي يستطيع التراجع عن هذه المعركة أو تغيير مسار مجهوده الرئيسي بسهولة، لعدة أسباب.
أولها أن باب المندب هو الهدف الرئيسي من التصعيد الحالي الذي دفعته إليه إيران، والتراجع عنه يعني عمليا التخلي عن الغاية التي حشد من أجلها هذا القدر من القوة.
وثانيها أنه اندفع نحو هذا المسار منذ اليوم الأول للتصعيد، ودفع بقوات كبيرة إلى هذه الجبهة، وبالتالي أصبح التراجع بالنسبة إليه أكثر كلفة سياسيا وعسكريا ومعنويا.
وثالثها أن الساحل تحول خلال الأيام القليلة الماضية إلى ساحة تحدٍ بالنسبة للحوثي أمام الآخرين، وأمام مقاتليه وداخل صفوفه أيضا، خصوصا بعد الخسائر الثقيلة التي مني بها خلال فترة قصيرة، وهذا يجعل مواصلة الهجوم بالنسبة إليه قضية تتجاوز الحسابات الميدانية المباشرة، لتصبح مرتبطة بصورة قوته وقدرته على تحقيق ما أعلن عنه ودفع قواته من أجله.
وهنا ستبدأ الخسائر الحقيقية بالنسبة له.
فاندفاع الحوثي بقوة نحو الساحل وغرقه في هذه المعركة سيجعل ظهره مكشوفا في المحافظات والمحاور الأخرى، إذ لا أعتقد أنه يستطيع القتال في جميع الجبهات بنفس الزخم الذي أظهره في الساحل.
وكلما طال أمد المعركة هناك، وتزايدت خسائره، سيجد نفسه مضطرا إلى سحب جزء من قواته الموجودة في المحاور الأخرى لتغطية عملياته في الساحل وتعويض النقص الذي سيحدث في وحداته المهاجمة.
كما أن الخسائر التي سيتلقاها الحوثي في الساحل وبقية الجبهات لن يستطيع تعويضها بسرعة، فالأعداد والقوات التي يقاتل بها هي حصيلة ما لا يقل عن أربع سنوات من الحشد والتعبئة والإعداد والتجهيز، استغل خلالها حالة التعاطف الشعبي مع غزة وفلسطين في توسيع قاعدة التجنيد والتعبئة.
ولهذا فإن استنزاف هذه القوة في معركة مكلفة سيعني فقدان جزء مهم من القدرة القتالية التي راكمها الحوثي خلال السنوات الماضية، سواء عبر خسائر الأفراد والعتاد، أو عبر خروج أعداد كبيرة من وحداته عن الجاهزية.
وفي المقابل، تقف الشرعية أمام هذه المعادلة وهي في وضع مختلف، وأفضلية نسبية.
فالجيش الوطني وبقية التشكيلات التابعة للشرعية تستعد منذ سنوات لهذه المعركة، وتحافظ على قدراتها في عدد من المحاور المهمة، في الوقت الذي بدأ فيه الحوثي بتوزيع كتلة كبيرة من قواته على جبهة الساحل.
وبينما يستنزف الحوثي جزءا متزايدا من قوته في محاولة الاقتراب من باب المندب، ستظل قوات الشرعية محتفظة بقدر كبير من جاهزيتها في المحاور الأخرى، ما يمنحها فرصة لتحقيق إنجازات ميدانية مهمة، وربما حاسمة، نتيجة الانكشاف الذي أحدثه الاندفاع نحو الساحل.
ولن يقتصر الأمر على العامل العسكري وحده؛ إذ إن إصرار الحوثي على الاقتراب من باب المندب وخطوط الملاحة سيضعه أيضا في مواجهة موقف دولي أكثر حسما، وسيجعل أي تحرك يستهدف حماية الممرات البحرية ومنع تهديد الملاحة الدولية أكثر قابلية للدعم السياسي والعسكري.
ومن هنا يمكن فهم المأزق الذي قد تكون حسابات الحوثي ومن خلفه إيران قد أوقعتهما فيه هذه المرة.
لقد ذهبا منذ بداية التصعيد إلى انتزاع الهدف الأثمن والأكثر حساسية، على أمل تحقيق اختراق في باب المندب، ثم التفرغ للجبهات الأخرى أو الذهاب إلى التفاوض، واستخدام ورقة المضيق كورقة ضغط لوقف أي تحرك ضده في المحاور الداخلية، خصوصا إذا فقد القدرة على مواصلة القتال في بقية الجبهات.
غير أن هذه الحسابات تحمل في داخلها نقيضها؛ فكلما تعمق الحوثي في معركة الساحل، زادت حاجته إلى قواته هناك، واتسع انكشافه في بقية الجبهات، وتضاعفت خسائره، وأصبح تعويض القوة المستنزفة أكثر صعوبة.
وعلى هذا الأساس، نستطيع القول إن الحوثي قد ذهب هذه المرة إلى أعلى هدف يمكن أن يضعه في بداية تصعيده، غير أن اندفاعه نحوه قد يقوده إلى حفرة عميقة يصعب عليه الخروج منها.
وبدل أن يكون باب المندب بوابة لفرض شروطه على بقية الجبهات، قد يتحول إلى الجبهة التي تستنزف قوته، وتكشف خطوطه الأخرى، وتمنح الشرعية فرصة استثمار ما تبقى من قدراتها، في وقت يواجه فيه الحوثي معركة مكلفة يصعب عليه التراجع عنها أو تعويض خسائرها.
وهذه، في النهاية، هي المفارقة الكبرى في التصعيد الأخير، إذ أن الحوثي، وهو يحاول انتزاع الهدف الأثمن في بداية المعركة، سيكون قد وضع الجزء الأكبر من قوته في أكثر المسارات كلفة، وفتح في الوقت نفسه مساحات أوسع أمام خصومه في بقية الجبهات.
وستكون هذه هي المرة الأولى التي تتحول فيها حساباته، ومن خلفه إيران، من محاولة لتحقيق مكسب استراتيجي كبير إلى مسار يقود نحو استنزاف واسع تكون له تداعيات حاسمة على مستقبل المعركة، وهو ما يتطلع إليه أغلب اليمنيين الذين ضاقوا ذرعا بتسلط الحوثي وطول أمد الانقلاب.




