هل استنسخت إيران نموذج الحرب المعتمد في اوكرانيا

نيويورك – زينه بلقاسم – الأمم المتحدة
المتأمل في الخريطة، من أوكرانيا شمالاً إلى إيران والخليج والعراق ولبنان واليمن جنوباً، سنجد أن ما كشفته “الإيكونوميست” في 8 مايو 2026 يتجاوز فكرة صفقة سلاح. الوثيقة المنسوبة إلى الاستخبارات العسكرية الروسية تحدثت عن عرض يصل إلى 5 آلاف مسيّرة موجهة بالألياف البصرية، إلى جانب طائرات بعيدة المدى وبرامج تدريب لمشغلين إيرانيين. لكن المجلة نفسها أوضحت أنها لم تتمكن من التحقق المستقل من أصالة الوثيقة، ولا يوجد دليل علني يثبت أن الصفقة نُفذت بالكامل. الأهم هنا ليس الرقم وحده، بل نوع الخبرة التي قد تنتقل من روسيا إلى إيران.
في أوكرانيا تحولت المسيّرات الرخيصة إلى جزء أساسي من الحرب، ومع الألياف البصرية أصبح التشويش الإلكتروني أقل فعالية، لأن الاتصال لا يعتمد على موجات راديوية تقليدية. وهنا تحديداً تكمن قيمة العرض الروسي المفترض: نقل خبرة ميدانية اختُبرت في واحدة من أكثر الحروب كثافة تكنولوجية في العالم. وما أوردته تقارير معهد دراسة الحرب عن استخدام فصائل عراقية وحزب الله والحوثيين نماذج مشابهة لا يثبت وجود خط روسي مباشر، لكنه يكشف أن التقنية نفسها بدأت تنتشر على امتداد جغرافيا حلفاء إيران.
لكن التعاون بين موسكو وطهران لا يبدأ من المسيّرات. ففي 17 يناير 2025 وقعت روسيا وإيران معاهدة شراكة استراتيجيـ شاملة لمدة 20 عاماً، تشمل التعاون العسكري ـ التقني، والتدريب، والأمن والاستخبارات. وإذا انتقلنا من السلاح إلى الاقتصاد، نجد مشروع ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب بطول يقارب 7,200 كيلومتر لربط روسيا بالخليج والهند عبر إيران وبحر قزوين. ومع العقوبات الغربية على البلدين، لم تعد هذه الخطوط مجرد طرق تجارة، بل بنية جيوسياسية بديلة تقلل الاعتماد على الممرات والمؤسسات الغربية.
وإلى الشرق تظهر الصين، لكن بصيغة مختلفة. لا يوجد حلف عسكري ثلاثي رسمي بين بكين وموسكو وطهران، إلا أن التقاطع بينها يتسع. في مارس 2025 أجرت القوات البحرية للدول الثلاث مناورات حزام الأمن في خليج عُمان، وفي الوقت نفسه نسقت العواصم الثلاث دبلوماسياً حول الملف النووي الإيراني. الصين تريد استقرار الطاقة والممرات البحرية، روسيا تريد شركاء وأسواقاً ومسارات بديلة، وإيران تريد تقليص أثر الضغوط الغربية. ليست الأهداف متطابقة، لكنها تلتقي في نقطة واحدة: تقليل قدرة واشنطن على التحكم منفردة في قواعد اللعبة.
ثم تنزل الخريطة إلى العراق ولبنان واليمن. هنا لم يعد السلاح يمر فقط بين جيوش الدول، بل عبر شبكات حلفاء وجماعات مسلحة. تقارير مفتوحة المصدر سجلت استخدام مسيّرات FPV بالألياف البصرية في العراق ولبنان، ثم ضبط معدات مشابهة في اليمن خلال 2026. وهذا لا يثبت أن كل تلك الأنظمة روسية المنشأ، لكنه يطرح سؤالاً استراتيجياً أكثر خطورة: هل تنتقل المعرفة القتالية أسرع من انتقال السلاح نفسه؟
لأن الفرق كبير. يمكن اعتراض شحنة سلاح، ويمكن فرض عقوبات على شركة أو ميناء. لكن حين تنتقل المعرفة والتصميم والتدريب وطريقة الاستخدام، يصبح احتواء التكنولوجيا أكثر صعوبة. هنا تتحول الحرب الأوكرانية من صراع جغرافي إلى مختبر عالمي، وتصبح إيران مرشحة لأن تكون نقطة عبور لتقنيات رخيصة وفعالة إلى مناطق تضم قواعد أمريكية، ومنشآت طاقة، وممرات مثل هرمز وباب المندب.
وفي الجهة المقابلة، تتحرك شبكة أخرى: الولايات المتحدة بقواعدها وانتشارها البحري والجوي، وإسرائيل بأنظمة الاعتراض والحرب الإلكترونية، ودول الخليج بحماية الحدود والمنشآت، وحكومات العراق ولبنان واليمن بمحاولات متفاوتة لضبط الجماعات المسلحة. وهكذا لم تعد الخريطة صراع دولتين أو محورين واضحين، بل صراع شبكات: شبكة تنقل التكنولوجيا والخبرة، وأخرى تطور الاعتراض والردع.
لذلك، ربما يكون السؤال عن الخمسة (5) آلاف مسيّرة أقل أهمية من السؤال الذي بعدها. هل عرضت روسيا على إيران سلاحاً فقط؟ أم أنها نسخة ايرانية لنموذج الصراع الذي تطور في أوكرانيا؟
وإذا كان ذلك صحيحاً، فإن أخطر ما قد ينتقل إلى الشرق الأوسط في هذه المرحلة لن يكون الطائرة نفسها، بل طريقة القتال بها.




