عملية الوعي وشرعنة الموت الرحيم

✍️ بقلم :زعفران علي المهنا
ليست كل القوانين التي تصدر باسم الحرية انتصارا للإنسان.
أحيانا يأتي القانون ليحمي الإنسان من الإنسان، وأحيانا يأتي ليعيد تعريف الإنسان نفسه: ما الذي يحق له أن يفعله بحياته؟ وأين تبدأ حريته وأين تنتهي مسؤولية المجتمع عنه؟
فرنسا دخلت مؤخرا منطقة شديدة الحساسية من هذا السؤال، بعدما أصدرت قانونا يمنح، ضمن شروط طبية وقانونية محددة، ما تسميه «الحق في المساعدة على الموت». القانون لا يتحدث عن الانتحار بوصفه انتحارا، بل يضع له إطارا طبيا وقانونيا خاصا، في حالات المرض الخطير وغير القابل للشفاء والمعاناة التي لا تحتمل.
وهنا تبدأ عملية الوعي الحقيقية…
لأن القضية ليست فقط:
هل نسمح للإنسان أن يموت؟
القضية الأعمق هي:
متى بدأنا نرى الموت حلا؟
أنا لا أكتب هذه الكلمات لأحاكم فرنسا، ولا لأدخل في محاكمة دينية أو سياسية للقانون.
أنا أحاول أن أضع يدي على السؤال الذي قد يكون أخطر من القانون نفسه:
ماذا يحدث للوعي الجمعي عندما تنتقل فكرة إنهاء الحياة من خانة الممنوع إلى خانة الحق؟
فالكلمات ليست بريئة.
عندما نقول «انتحار» فإننا نستحضر الألم والاضطراب واليأس والنجدة.
وعندما نقول «موت رحيم» فإننا نضع حول الفعل هالة من الرحمة والكرامة والاختيار.
وهنا تكمن قوة اللغة في صناعة الوعي.
قد يتغير موقف الإنسان من الفكرة نفسها، فقط لأن اسمها تغير.
وهذه ليست قضية لغوية فقط…
إنها قضية وعي.
نحن نعيش زمنا أصبح فيه الإنسان أكثر قدرة على التحكم في الأشياء، لكنه ليس بالضرورة أكثر قدرة على فهم الحياة.
استطعنا أن نطيل العمر.
استطعنا أن نزرع الأعضاء.
استطعنا أن نوقف الألم.
استطعنا أن نؤجل الموت.
ثم وصلنا إلى سؤال جديد:
إذا أصبحنا قادرين على التحكم في لحظة الموت، فهل يعني ذلك أننا أصبحنا نملك الحق الأخلاقي في تحديدها؟
هنا يجب أن نتوقف.
لأن القدرة ليست دائما دليلا على الصواب.
وكون العلم يستطيع أن يفعل شيئا لا يعني أن الإنسان أصبح بالضرورة أكثر وعيا بما ينبغي أن يفعله.
هناك فرق كبير بين أن نخفف عن الإنسان ألمه، وبين أن نقنعه بأن الحل النهائي لألمه هو غيابه.
هناك فرق بين أن نحمي كرامة المحتضر، وبين أن نعيد تعريف الكرامة بأنها القدرة على اختيار النهاية.
وهناك فرق بين الرحمة التي تقول:
«لن أتركك تتألم وحدك»
والرحمة التي قد تنتهي إلى:
«لنتركك تنتهي».
الأولى تحتضن الإنسان.
والثانية قد تختصر الإنسان في معاناته.
وأخطر ما في الأمر أن الإنسان لا يتخذ قراراته دائما وهو في أقوى حالاته النفسية.
المريض يتألم.
الخائف يخاف.
اليائس يرى العالم من نافذة ضيقة.
ومن هنا فإن السؤال الذي يجب أن يسبق سؤال الموت هو:
هل كل رغبة في الموت هي رغبة حرة تماما؟
أم أن بعضها صرخة إنسان يريد أن يتوقف ألمه، وليس أن تتوقف حياته؟
وهذا هو المكان الذي يجب أن يبدأ منه الوعي.
قد يقول قائل:
لكن الإنسان صاحب حياته، ومن حقه أن يختار.
وأقول:
نعم، الحرية قيمة عظيمة.
لكن الوعي هو الذي يجعل الحرية مسؤولة.
فالحرية بلا وعي قد تتحول إلى اندفاع.
والاختيار بلا بصيرة قد يتحول إلى هروب.
والقانون حين يمنح الاختيار لا يستطيع وحده أن يضمن أن كل اختيار نابع من وعي كامل.
ولهذا فإن المجتمع الذي يريد أن يكون متحضرا لا يكفيه أن يسأل:
هل أعطينا الإنسان حق الموت؟
بل عليه أن يسأل:
هل أعطيناه أولا حق الحياة بكرامة؟
هل وفرنا له الرعاية التلطيفية؟
هل وقفنا إلى جواره؟
هل خففنا ألمه؟
هل حميناه من الوحدة؟
هل حميناه من أن يشعر بأنه عبء على أسرته؟
هل أعطيناه سببا ليتمسك بالغد؟
هنا تحديدا تبدأ «مدرسة الوعي».
فالوعي لا يعني أن نرفض كل جديد.
ولا يعني أن نقبل كل ما يأتي تحت عنوان التقدم.
الوعي هو أن نتوقف بين الرفض والقبول.
أن نسأل.
أن نفكر.
أن نرى الصورة التي لا تظهر في العنوان.
أنا لا أخاف من أن يختلف الناس معي حول الموت الرحيم.
أنا أخاف من أن نتوقف عن التفكير فيه.
أن يتحول المصطلح إلى حقيقة جاهزة.
أن تقول لنا اللغة: «هذا موت رحيم»، فننسى أن نسأل:
رحيم بمن؟
بالإنسان الذي يتألم؟
أم بالمؤسسة التي عجزت عن توفير الرعاية؟
أم بالأسرة التي أنهكها المرض؟
أم بالنظام الصحي الذي يريد تقليل الأعباء؟
أم بالمجتمع الذي أصبح لا يحتمل رؤية الضعف والشيخوخة والمرض؟
هذه الأسئلة لا تتهم أحدا…
لكنها تمنعنا من النوم أمام سؤال كبير.
المشكلة ليست في الموت.
الموت حقيقة لا يستطيع قانون أن يلغيها.
المشكلة في معنى الحياة الذي نصنعه قبل أن نصل إلى الموت.
فإذا أصبح الإنسان يشعر أن قيمته مرتبطة بإنتاجه، وأن عجزه يجعله عبئا، وأن مرضه يسلبه كرامته، وأن شيخوخته تجعله خارج الزمن…
فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نقدم له الموت باعتباره «اختيارا كريما».
ربما يكون الوعي الحقيقي هو أن نقول له:
أنت لست عبئا لأنك ضعيف.
ولست أقل قيمة لأنك مريض.
ولا تنتهي إنسانيتك عندما يتوقف جسدك عن الإنتاج.
القوانين تستطيع أن تنظم الموت.
لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع وعيا بالحياة.
وهذا هو السؤال الذي يجب أن يشغلنا اليوم:
هل نحن أمام انتصار جديد للحرية؟
أم أمام لحظة يجب أن نعيد فيها تعريف معنى الحرية نفسها؟
فالحرية ليست فقط أن أمتلك مفتاح النهاية.
الحرية الأعمق أن أمتلك من الوعي، والرعاية، والحب، والكرامة، والدعم الإنساني ما يجعلني قادرا على النظر إلى الحياة دون أن أرى الموت حلا أوليا لألمي.
ربما تكون أعظم عملية وعي في هذا الزمن…
ألا نسأل الإنسان فقط:
«هل تريد أن تموت؟»
بل نسأله قبل ذلك:
«ماذا تحتاج كي تريد أن تعيش؟»
وهنا…
يبدأ الوعي.




