تركيا.. فضيحة صناديق الاستثمار تتحول إلى أزمة ثقة سياسية ومالية

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال قمة الناتو في أنقرة، 8 يوليو 2026 – Reuters

 

عين اليمن الحر – رويترز + الشرق

المعارضة تصعد هجومها على الحزب الحاكم.. وأردوغان: كل من يثبت تورطه سيحاسب

دخلت أزمة صناديق الاستثمار في تركيا مرحلة جديدة بعدما تجاوزت تداعياتها أسواق المال لتصل إلى قلب المشهد السياسي، مع استقالة نائبة رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم فاطمة بتول سايان كايا، وتصعيد رئيس حزب “يَني” أوزغور أوزيل لهجومه على الحكومة وأردوغان، بالتوازي مع اتساع التحقيقات القضائية وعمليات التوقيف.

وفي خضم التداعيات السياسية والمالية للأزمة، أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعد ترؤسه اجتماعاً للحكومة التركية أن كل من يثبت تورطه في أعمال تضر بالسوق من خلال الصناديق، سيحاسَب أمام القانون عن ذلك.

وأشار إلى أن النظام المالي في تركيا قوي، وأن المشكلة التي حدثت “وقعت في جزء محدود من سوق الصناديق”، وأنه “لا يوجد أي خطر انتقل إلى نظامنا المالي. وسوق رأس المال التركي يتمتع بالقدرة على الصمود، وأُسسه متينة”.

وقال أردوغان: “أريد أن أعبّر عن هذا الأمر اليوم مرة أخرى وبشكل واضح وصريح: سواءً كان ذلك من خلال التلاعب بالسوق، أو من خلال ألعاب البورصة، أو من خلال ارتكاب فساد واضح كما حدث في البلديات، فإن أي شخص يمد يده إلى حق الشعب أو حقوقه أو أمواله وممتلكاته، سيجدنا في مواجهته، وسيجد الدولة في مواجهته. لا ينبغي لأحد أن يخلط بيننا وبين الآخرين. ولا ينبغي لأحد أن يقارننا بمن يجوبون الساحات والمدن للدفاع عن عمليات فساد بمليارات الليرات. نحن لسنا مثلهم. إن خطنا الأحمر هو شعبنا العزيز، وعندما يتعلق الأمر بشعبنا فإن موقفنا واضح”.

ضغط على سوق الأسهم

وبدأت الأزمة بصورة حادة في أسواق الأسهم بعد ضغوط سيولة تعرضت لها صناديق استثمارية كانت تملك مراكز كبيرة في أسهم محدودة التداول.

وأدى تزايد طلبات الاسترداد إلى عمليات بيع قسرية، ما ساهم في هبوط مؤشر BIST-100 بأكثر من 8% خلال أسبوع، في واحدة من أسوأ موجات الهبوط منذ مارس 2025.

وترى تحليلات مالية أن المشكلة كشفت “هشاشة هيكلية” في السوق التركي، حيث يتركز الاستثمار المؤسسي في عدد محدود من الأسهم ذات السيولة المحدودة.

تدخل هيئة الأسواق

واتخذت هيئة أسواق المال التركية (SPK) إجراءات استثنائية، ففي 17 سبتمبر، قررت تصفية 131 صندوقاً تديرها سبع شركات لإدارة المحافظ، فيما أعلنت لاحقاً أن عدد المستثمرين الأفراد المتأثرين يبلغ 455,758 مستثمراً وفق سجلات شركة الإيداع المركزي.

وفي 21 سبتمبر، مددت الهيئة المدة المقررة للتصفية من ثلاثة إلى ستة أشهر، موضحة أن التمديد لا يعني بالضرورة استمرار التصفية طوال ستة أشهر، وإنما يهدف إلى إتاحة بيع الأصول في ظروف سوقية أفضل.

وأوضحت الهيئة في أحدث بيان أصدرته كيفية التعامل مع أوامر البيع والشراء السابقة لإغلاق الصناديق على منصة TEFAS، مؤكدة أن أصحاب بعض الأوامر الملغاة سيحصلون على مستحقاتهم من حصيلة التصفية بحسب نسبة ملكيتهم.

ويرى الخبير الاقتصادي التركي بوجرا أركين الذي تحدث لـ”الشرق بلومبيرغ”، أن حجم الضرر المالي قد يكون أكبر من المعلن.

وقال إن الخطر الأكبر ليس حجم الأموال التي ستُصفّى، بل أثر الأزمة على ثقة المستثمر، إذا اقتنع المستثمر بأن الصندوق يستطيع تحقيق عوائد مرتفعة لكنه لا يستطيع تلبية طلب الاسترداد، فإن مشكلة السيولة تتحول سريعاً إلى مشكلة ثقة”.

وأضاف أن تمديد فترة التصفية إلى ستة أشهر قد يساعد على تجنب البيع القسري، لكنه لن يعالج المشكلة بالكامل ما لم تترافق العملية مع شفافية عالية.

من السوق إلى القضاء

بالتوازي مع الإجراءات التنظيمية، توسعت التحقيقات الجنائية. وقال وزير العدل أكين غورلك في 26 سبتمبر، إن التحقيقات شملت خلال الفترة من 1 يوليو إلى 16 سبتمبر، 46 كياناً قانونياً و18 صندوقاً و42 شخصاً طبيعياً جرى تجميد أصولهم، مع إخضاع 37 مشتبهاً به لإجراءات رقابية قضائية.

كما تواصلت التوقيفات؛ وأفادت تقارير الثلاثاء، عن توقيف ستة مشتبه بهم في ملف مرتبط ببنك دستك للاستثمار Destek Yatırı Bankası، وأوزآتا للملاحة البحرية Özata Denizcilik، بينما كانت التحقيقات السابقة قد أدت إلى توقيف عشرات الأشخاص المرتبطين بشركات إدارة المحافظ والاستثمار.

استقالة سايان كايا

وأخذ الملف بعداً سياسياً مباشراً عندما أعلنت فاطمة بتول سايان كايا، وهي نائبة رئيس حزب العدالة والتنمية ووزيرة الأسرة السابقة، طلب إعفائها من جميع مناصبها الحزبية، قائلة إن ذلك ضروري حتى يتم التحقيق في الادعاءات بصورة مستقلة ومن دون تأثير أو شبهة.

وقبل أردوغان طلبها الاستقالة، وأعلن المتحدث باسم الحزب عمر تشليك أنها لم تعد عضواً في الهيئتين القياديتين ( المجلس التنفيذي للمركزي  MYK ومجلس القرار والإدارة المركزي MKYK.

وتتعلق القضية بادعاءات بشأن معاملات لـ سايان كايا وزوجها في أسهم شركة أوزآتا للملاحة البحرية Özata Denizcilik.

وقالت المعارضة إنه سايا وزوجها حققا أرباحاً كبيرة خلال فترة قصيرة؛ إلا أن هذه الأرقام وطبيعة العمليات لا تزال جزءاً من ادعاءات وتحقيقات، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها إدانة قضائية نهائية.

أوزغور أوزيل يصعّد

واستغل رئيس حزب الجديد “يَني”، أوزغور أوزيل الأزمة للمطالبة بكشف جميع الأطراف التي استفادت من العمليات، ودعا إلى استرداد الأموال وملاحقة الأصول الموجودة في الخارج. كما قدم الحزب مشروع قانون من 15 مادة أعده، للبرلمان التركي وفق أوزيل، وقال إنه سيعرضه على جميع الأحزاب عند استئناف البرلمان أعماله في الأول من أكتوبر المقبل.

وفي خطاب سياسي أكثر حدة، قال أوزيل إن أردوغان “إذا كان يعلم بما يجري فهو مسؤول سياسياً، وإذا لم يكن يعلم فهو، غير قادر على إدارة البلاد”، وفق تعبيره، داعياً إياه إلى الاستقالة أو الذهاب إلى انتخابات مبكرة.

التداعيات الاقتصادية والسياسية

اقتصادياً، لا تتمثل المشكلة في خسائر المستثمرين المباشرة فقط، بل في الثقة في قدرة الصناديق على تلبية طلبات الاسترداد، وشفافية ملكية الأسهم، وسيولة السوق، ومدى فعالية الرقابة.

كما أثارت الأزمة اهتمام مؤسسات مؤشرات دولية مثل MSCI وFTSE Russell بشأن شفافية الملكية وإتاحة السوق للمستثمرين الأجانب.

سياسياً، نقلت الأزمة النقاش من أداء البورصة إلى سؤال أوسع عن العلاقة بين رأس المال والسياسة والرقابة الحكومية.

وأعطت استقالة سايان كايا المعارضة مادة سياسية إضافية، بينما تحاول الحكومة احتواء الأزمة عبر التحقيقات والتصفية والتنظيم، مع التأكيد أن ما حدث لا يرقى إلى أزمة مالية شاملة.

وقال المحلل السياسي شنر باتور لـ”الشرق بلومبرغ”، إنه اقتصادياً، ينبغي الفصل بين أزمة قطاع محدد وبين أزمة نظام مالي كامل.

وأضاف أن “التدخل السريع للهيئات التنظيمية والقدرة على احتواء العدوى مهمان، لكن التداعيات السياسية قد تستمر أطول من التداعيات السوقية”.

وتابع: “التحقيقات واستقلاليتها ووضوح آلية تعويض المستثمرين ستكون عوامل حاسمة في إعادة بناء الثقة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى