أزمة اقتصادية عالمية تلوح في الأفق تحت عنوان: “صُنع في الصين”

 

 

 

نيويررك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

كيف يمكن لفائض المصانع الصينية أن يغيّر موازين القوة بما تعجز عنه الحروب التقليدية؟

ليست كل الأزمات الاقتصادية تبدأ بانهيار بنك أو سقوط بورصة. أحيانًا تبدأ من ملصق صغير على سيارة أو بطارية أو لوح شمسي أو آلة صناعية كُتب عليه: «صُنع في الصين». فالمشكلة التي تلوح اليوم لا تتمثل في أن الصين توقفت عن الإنتاج، بل في أنها أصبحت تنتج أكثر مما يستطيع اقتصادها المحلي استهلاكه، ثم تدفع بهذا الفائض إلى الأسواق العالمية بأسعار يصعب على المصانع المنافسة مجاراتها. وفي عام 2025، سجلت بكين فائضًا تجاريًا قياسيًا اقترب من 1.19 تريليون دولار، وهو رقم يعادل تقريبًا اقتصاد دولة ضمن أكبر عشرين اقتصادًا عالميًا. كما أوردت إدارة الجمارك الصينية أن الصادرات بلغت 26.99 تريليون يوان، بزيادة 6.1%، وأن الصين حافظت على أكثر من 14% من صادرات السلع العالمية. ثم جاءت بيانات يوليو/تموز 2026 لتظهر ارتفاع الصادرات بنحو 24% على أساس سنوي، مع قفزة بلغت 41% في صادرات التكنولوجيا المتقدمة و55% في شحنات المركبات خلال الأشهر السبعة الأولى من العام.
لكن هذه القوة الخارجية تخفي ضعفًا داخليًا أكثر تعقيدًا. فقد نما الاقتصاد الصيني بنسبة 5% في 2025، وسجل النسبة نفسها خلال الربع الأول من 2026، إلا أن البنك الدولي يتوقع تباطؤه إلى 4.4% خلال 2026، بينما يقدره صندوق النقد الدولي بنحو 4.5%. ولا يرجع التباطؤ إلى عجز المصانع عن الإنتاج، بل إلى ضعف استهلاك الأسر، وتراجع الثقة، واستمرار أزمة العقارات التي كانت لسنوات المحرك الرئيسي للثروة المحلية. وأورد البنك الدولي أن الاستثمار العقاري انكمش بنسبة 16.2% بين يناير/كانون الثاني ومايو/أيار 2026، فيما أوضح صندوق النقد أن الاستثمار السكني تراجع من 12.3% من الناتج المحلي عام 2020 إلى 6.1% فقط في 2025، وأن المنازل غير المبيعة تعادل نحو 30 شهرًا من المبيعات، بينما انخفض إنجاز المشروعات السكنية قرابة 40% مقارنة بعام 2021.
وهنا تبدأ الحلقة التي يخشاها الاقتصاديون: عندما تتراجع أسعار المنازل، يشعر المواطن بأنه أصبح أفقر، فيؤجل الشراء ويزيد الادخار؛ وعندما يتراجع الاستهلاك، تخفض الشركات أسعارها لتبيع، ثم تقل أرباحها وتوظيفها، فيضعف الطلب أكثر. وقد أفاد صندوق النقد بأن متوسط التضخم العام في الصين كان صفرًا تقريبًا خلال 2025، وأن معامل انكماش الناتج ظل سالبًا، فيما استمرت أسعار المنتجين في الانخفاض لأكثر من ثلاثة أعوام. كما بلغ معدل بطالة الشباب المعدل وفق المنهجية الرسمية 16.5% في ديسمبر/كانون الأول 2025. وإلى جانب ذلك، أورد مكتب الإحصاء الصيني أن السكان انخفضوا بنحو 3.39 ملايين نسمة خلال 2025، بعد تسجيل 7.92 ملايين ولادة مقابل 11.31 مليون وفاة. إنها معادلة تجمع بين عقارات تهبط، وشباب يبحث عن العمل، وسكان يتقلصون، ومصانع لا تزال توسع قدرتها الإنتاجية.
ويزيد الدين الصورة تعقيدًا. فبحسب المقياس الموسع الذي يستخدمه صندوق النقد، والذي يضيف ديون الحكومات المحلية وأدوات التمويل الواقعة خارج الموازنات الرسمية، بلغ الدين الحكومي الموسع نحو 117% من الناتج المحلي في 2024، مع توقع استمراره في الارتفاع؛ بينما تعترض بكين على هذا التعريف، وتقول إن نسبة الدين الحكومي وفق مقياسها الرسمي كانت 68.7%. ولا يعني الخلاف أن أزمة مالية صينية وشيكة، لأن معظم الالتزامات ممولة داخليًا وبالعملة المحلية، لكنه يكشف حجم العبء الذي يحد من قدرة الحكومات المحلية على إطلاق استثمارات جديدة أو تعويض انهيار إيرادات بيع الأراضي. ولذلك تصبح الصادرات المنفذ الأسهل للمحافظة على نمو المصانع والوظائف.
وكما يقال: إذا لم يشترِ الداخل، فسيبحث المصنع عن الخارج. وهنا تظهر ما يسميه بعض الاقتصاديين «الصدمة الصينية الثانية». فقد قدّر براد سيتسر، الباحث في مجلس العلاقات الخارجية والمسؤول السابق في وزارة الخزانة، أن فائض الصين في قطاع التصنيع وحده أصبح يعادل قرابة 2% من الناتج العالمي، أي نحو ضعف أكبر فائض صناعي سجلته اليابان قبل اتفاق بلازا عام 1985، وضعف ذروة الفوائض الآسيوية قبل الأزمة المالية العالمية. والمختلف هذه المرة أن الصين لم تعد تصدّر الملابس والألعاب والأجهزة منخفضة الكلفة فقط، بل الروبوتات الصناعية، والمعدات الدقيقة، والرقائق، والبطاريات، والسيارات، والآلات التي تستخدمها الدول الأخرى لتشغيل مصانعها. وأوردت وول ستريت جورنال أن صادرات الصين من السلع الوسيطة والرأسمالية ارتفعت خلال النصف الأول من 2026 بنسبتي 25% و12% على التوالي، مقابل نمو لم يتجاوز 4% في السلع الاستهلاكية.
وتتضح القوة الصينية أكثر في الصناعات التي ستقود الاقتصاد القادم. فقد ذكرت وكالة الطاقة الدولية أن الصين أنتجت خلال 2025 نحو 16 مليون سيارة كهربائية، أي قرابة ثلاثة أرباع الإنتاج العالمي، وكان إنتاجها أعلى من الطلب المحلي بنحو 20%، ما دفع صادراتها من السيارات الكهربائية إلى الضعف متجاوزة 2.5 مليون مركبة. كما استحوذت الصين على أكثر من 80% من إنتاج خلايا البطاريات عالميًا، ونحو 85% من مواد الكاثود وأكثر من 90% من مواد الأنود. وفي الطاقة الشمسية، تتجاوز حصتها 80% في مختلف مراحل التصنيع، بينما تمثل نحو 91% من تكرير العناصر الأرضية النادرة وقرابة 94% من إنتاج المغناطيسات الدائمة المستخدمة في السيارات والروبوتات وتوربينات الرياح ومراكز البيانات والصناعات الدفاعية.
هذه الهيمنة تحمل وجهين متناقضين. فمن جهة، خفضت المنافسة الصينية أسعار البطاريات والسيارات والألواح الشمسية، وساعدت دولًا نامية على الوصول إلى تكنولوجيا كانت تعد باهظة الثمن. فقد أوردت وكالة الطاقة الدولية أن المنتجات الصينية مثلت 75% من الزيادة في مبيعات السيارات الكهربائية بالاقتصادات الناشئة خارج الصين خلال 2024، وأن ثلثي السيارات الكهربائية المباعة داخل الصين أصبحت أرخص من نظيراتها التقليدية. ومن جهة أخرى، فإن السعر الذي يسعد المستهلك اليوم قد يغلق المصنع الذي يوظفه غدًا، إذا عجزت الشركات المحلية عن منافسة منتج يستفيد من الحجم الهائل، وسلسلة توريد متكاملة، وتمويل ميسر، ودعم صناعي طويل الأمد.
وقد وجدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الشركات الصينية الكبرى في قطاع الصلب تحصل، نسبة إلى إيراداتها، على دعم يفوق ما تحصل عليه الشركات في اقتصادات شريكة بنحو خمس مرات، ويصل إلى عشرة أضعاف المستوى في دول المنظمة. كما خلصت دراسة أوسع للمنظمة إلى أن الدعم الحكومي يزيد الحصة السوقية للشركات، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى رفع إنتاجيتها أو استثماراتها الحقيقية؛ أي إن المكسب قد يأتي من القدرة على خفض الأسعار وإضعاف المنافسين، لا من التفوق في الكفاءة وحده. وهذا لا ينفي الابتكار الصيني الحقيقي، لكنه يفسر لماذا تتحدث حكومات كثيرة عن منافسة غير متوازنة بدل الحديث عن تجارة طبيعية فقط.
أما أوروبا، فقد تكون في مقدمة من يدفعون ثمن «الصدمة الثانية». ففي الصدمة الأولى، خلال العقد الأول من القرن الحالي، فقدت مناطق صناعية غربية وظائفها أمام الواردات الصينية منخفضة الكلفة. أما الصدمة الحالية فتصل إلى قلب الصناعات التي بنت عليها ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية قوتها: السيارات، والآلات، والكيماويات، والإلكترونيات، والمعدات الصناعية. وقد قدّر تحليل أعده براد سيتسر وساندر توردوير أن الزيادة في الصادرات الصينية يمكن أن تقتطع نحو 0.2 إلى 0.3 نقطة مئوية من نمو ألمانيا سنويًا حتى 2029. والخطر ليس أن تختفي الصناعة الأوروبية غدًا، بل أن تتآكل أرباحها واستثماراتها وقدرتها على الابتكار تدريجيًا، فتفقد مكانتها من دون هزيمة عسكرية أو احتلال أراضٍ.
وهنا تستطيع حرب الأسعار أن تحقق ما تعجز عنه الحروب التقليدية. فالصاروخ يدمر مصنعًا واحدًا، أما الإغراق المستمر فيستطيع جعل آلاف المصانع غير قابلة للحياة. والدبابة تحتل مدينة، أما السيطرة على البطاريات والرقائق والمغناطيسات والآلات الصناعية فتمنح صاحبها نفوذًا على اقتصادات كاملة. وإذا أغلقت مصانع السيارات في أوروبا، وتراجعت الصناعات الصغيرة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، واعتمدت الدول على المكونات الصينية في الطاقة والاتصالات والنقل، فإن ميزان القوة قد ينتقل من دون إعلان حرب: دول تفقد قاعدتها الضريبية ووظائفها التقنية، ودول تتحول إلى أسواق استهلاك، ودولة واحدة ترتقي من «مصنع العالم» إلى مورّد الأدوات التي تدير مصانع العالم.
لكن رد العالم قد يكون أخطر من الصدمة نفسها. فقد أورد مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أن متوسط الرسوم المرجح على تجارة المنتجات الصناعية ارتفع من 1.9% في 2024 إلى 4.7% في 2025، وأن ما يقرب من 18 ألف إجراء تجاري تمييزي جديد فُرض منذ عام 2020. كما يتوقع أن يتباطأ نمو تجارة السلع عالميًا من 4.7% في 2025 إلى ما بين 1.5% و2.5% خلال 2026. وهكذا قد يجد الاقتصاد العالمي نفسه محاصرًا بين قوتين متناقضتين: وفرة صينية تدفع أسعار المصانع إلى الانخفاض، وحواجز جمركية تدفع سعر المنتج النهائي إلى الارتفاع. النتيجة المحتملة هي مصانع تغلق، وسلع تصبح أغلى، واستثمارات تؤجل، وسلاسل توريد تتجزأ في وقت واحد.
ولن تكون الدول النامية بمنأى عن ذلك. فقد ارتفعت صادرات الصين إلى إفريقيا بنسبة 25.8% خلال 2025، وإلى رابطة آسيان بنحو 13.4%، وإلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 8.4%، بعدما تراجعت صادراتها إلى السوق الأمريكية. وهذا يمنح المستهلك الإفريقي والآسيوي سلعًا وتقنيات أرخص، لكنه قد يحوّل البلدان التي تحلم بالتصنيع إلى أسواق لمنتجات جاهزة، إذا لم تستطع بناء شركات محلية أو فرض نقل للتكنولوجيا. وفي المقابل، قد تستفيد دول تمتلك بنية تحتية ومهارات وموقعًا قريبًا من الأسواق الكبرى، مثل الهند وفيتنام والمكسيك وإندونيسيا، من انتقال بعض خطوط الإنتاج إليها. وتحذر «أونكتاد» من أن إعادة تشكيل سلاسل القيمة ستكافئ الدول الجاهزة، بينما قد تُترك الاقتصادات الصغيرة والضعيفة خارج الموجة الجديدة للاستثمار.
ومع ذلك، فإن الحديث عن أزمة «مصنوعة في الصين» لا يعني أن انهيار الصين حتمي أو أن نجاحها الصناعي شر يجب مقاومته. فقد وصف صندوق النقد الاقتصاد الصيني بأنه شديد المرونة، وأكد البنك الدولي أن الاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة منخفضة الكربون لا يزال يوفر فرصًا كبيرة للنمو. كما أن انخفاض أسعار المنتجات الصينية يخفف كلفة التحول الأخضر، ويساعد الأسر محدودة الدخل، ويجبر الشركات القديمة على التطور. وتملك بكين أيضًا قدرة مالية ومؤسساتية واسعة لتثبيت قطاع العقارات ودعم الاستهلاك وإعادة هيكلة ديون الحكومات المحلية، إذا قررت تحويل نموذجها من الاستثمار والتصدير إلى إنفاق الأسر والاستيراد بصورة أسرع.
لذلك توجد أمام العالم ثلاثة مسارات. الأول أن تعزز الصين دخول الأسر وشبكات الحماية الاجتماعية، فتستهلك جزءًا أكبر مما تنتجه وتفتح سوقها أمام واردات أوسع؛ وعندها يتحول تفوقها الصناعي إلى محرك للنمو العالمي لا إلى مصدر للصراع. والثاني أن يستمر ضعف العقارات والاستهلاك، فتصدّر المصانع فائضها، ويرد الشركاء برسوم وحواجز، فتبدأ حرب تجارية ترفع الأسعار وتخفض النمو. أما الثالث، فهو الأكثر تحولًا: أن تنجح الصين في الاحتفاظ بالقيادة في الصناعات الجديدة، بينما تفشل الدول الأخرى في بناء بدائل، فتنتقل إليها تدريجيًا مفاتيح السيارات والطاقة والروبوتات والبنية الرقمية.
ولهذا، قد لا تحمل الأزمة الاقتصادية المقبلة اسم بنك كما حدث في 2008، ولا اسم فيروس كما حدث في 2020، بل قد تحمل اسمًا مكتوبًا على ملايين الصناديق والحاويات: «صُنع في الصين».
لكن الحقيقة الأعمق أن الأزمة، إن وقعت، لن تكون من صنع بكين وحدها. ستشارك في صناعتها اقتصادات أخرت إصلاح مصانعها، وحكومات استبدلت الاستراتيجية بالرسوم، وشركات فضلت الأرباح السريعة على الاستثمار، ونظام تجاري عجز عن التوفيق بين الكفاءة والأمن والعدالة.
والسؤال الحقيقي ليس: هل ستغزو المنتجات الصينية العالم؟ بل، هل يستطيع العالم الاستفادة من القوة الصناعية الصينية من دون أن يخسر قدرته على الإنتاج، وهل تستطيع الصين قيادة الاقتصاد العالمي من دون أن تجعل نجاحها يأتي على حساب انهيار منافسيها؟
ففي القرن الحادي والعشرين، قد لا تنتقل القيادة العالمية عبر معركة عسكرية فاصلة، بل عبر بطارية أرخص، وسيارة أكثر تنافسية، وروبوت يصل إلى المصنع قبل أن يدرك منافسه أن الحرب الاقتصادية قد بدأت بالفعل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى