حرب طاقة ومضايق تغيّر خارطة الشرق الأوسط وتوجّه التحالفات.. فهل العالم يتجه إلى تعدد القطبية؟

صورة تعبيرية

 

 

نيويورك – زينة بلقاسم- الأمم المتحدة

من هرمز إلى باب المندب وقناة السويس، عادت الجغرافيا لتفرض نفسها على الاقتصاد والسياسة العالمية. أكثر من 80% من تجارة السلع الدولية تتحرك بحراً، فيما يمر عبر هرمز جزء بالغ الحساسية من صادرات النفط والغاز، ويعبر باب المندب أحد أهم خطوط الربط بين آسيا وأوروبا. وعندما تتعرض هذه الممرات للتهديد، لا تتغير أسعار الطاقة فقط، بل تتغير مسارات السفن والتأمين والاستثمار، وتزداد كلفة النقل والتصنيع والغذاء في قارات بعيدة عن ساحة الحرب.

أوروبا اكتشفت هذه الحقيقة بوضوح خلال السنوات الأخيرة. فبعد خفض اعتمادها على الغاز الروسي، ارتفع اعتمادها على الغاز الطبيعي المسال والأسواق البحرية، ما جعل أمن الطاقة الأوروبي أكثر ارتباطاً بالمضائق والموانئ والطرق البحرية. في الوقت نفسه، وسعت دول الخليج خياراتها: السعودية والإمارات وقطر لم تعد تنظر إلى علاقاتها الدولية بمنطق التحالف مع قطب واحد، بل تجمع بين المظلة الأمنية الأميركية، والتجارة مع الصين والهند، والتنسيق النفطي مع روسيا، والعلاقات الاستثمارية والتكنولوجية مع أوروبا وآسيا.

هذه التحولات تظهر أيضاً في صعود أطر مثل «بريكس» واتساع العلاقات بين قوى كانت تتحرك سابقاً داخل دوائر منفصلة. لكن ذلك لا يعني تشكل محور موحد ضد الغرب؛ الأوضح هو ظهور عالم تتعدد فيه مراكز القرار. الولايات المتحدة ما تزال القوة العسكرية والمالية الأوسع نفوذاً، لكن الصين أصبحت قوة تجارية عالمية لا يمكن تجاوزها، وروسيا تحتفظ بوزن عسكري وطاقي، والهند تتوسع اقتصادياً، فيما تستخدم دول الخليج وتركيا ودول متوسطة أخرى موقعها لزيادة هامش المناورة بين هذه القوى.

ولهذا فإن حرب الطاقة والمضائق لا تعيد فقط رسم طرق النفط والغاز، بل تعيد توجيه التحالفات نفسها. الدول تبني خطوط أنابيب بديلة، وموانئ خارج نقاط الاختناق، واحتياطيات استراتيجية، وشراكات دفاعية أكثر تنوعاً. السؤال لم يعد فقط: من يسيطر على النفط؟ بل من يستطيع حماية الممر، وتمويل البديل، وتأمين السوق، وبناء شبكة علاقات مع أكثر من مركز قوة. العالم لم يصبح متعدد الأقطاب بصورة مكتملة، لكنه يتحرك بوضوح نحو نظام أقل اعتماداً على مركز واحد وأكثر اعتماداً على موازنة النفوذ بين عدة قوى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى