رغم الحدود المغلقة، انتهاكات الحرب في دارفور تغرق تشاد باللاجئين

CREATE AN ACCOUNT

 

نيويورك –  زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

 

لم تعد الحدود السودانية/التشادية خطاً يفصل الحرب عن الملاذ، بل منطقة رمادية تنتقل عبرها آثار القتال قبل أن يصل الناجون أنفسهم. ففي 2 أغسطس/آب 2026، نشرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين نتائج مقابلات مع 1,813 أسرة تضم 5,389 شخصاً عبروا خلال يوليو؛ وقالت 58% من الأسر إنها تعرضت لانتهاك واحد على الأقل أثناء النزوح، ارتفاعاً من 53% في يونيو. وفي اليوم نفسه، قالت مجموعة «محامو الطوارئ» إن ضربة بمسيّرة قتلت 35 شخصاً داخل محكمة أهلية في الزاوية قارا بشمال دارفور، من دون رد من الجيش أو تحقق فني مستقل. و قد رصدت UNHCR تفاصيل ضربة المحكمة، حيث تكشف البيانات أن اللجوء ليس حركة بشرية عشوائية نحو تشاد: 62% من الأسر قالت إن انعدام الأمن المرتبط بالنزاع هو سبب النزوح، و25% ذكرت الاضطهاد. وارتفعت الاعتداءات الجسدية المبلغ عنها من 22% إلى 29%، والاعتقالات التعسفية من 2% إلى 5%. هذه نسب مستمدة من مقابلات أسر وصلت إلى نقاط الرصد وليست مسحاً شاملاً لكل النازحين؛ لكنها تقدم شهادة كمية نادرة على أن الطريق نفسه أصبح جزءاً من مسرح الانتهاكات.
وعلى الورق، أغلقت نجامينا الحدود منذ فبراير بعد امتداد القتال إلى أراضيها. وقال المتحدث الحكومي قاسم شريف محمد حينها إن الإجراء يهدف إلى حماية المواطنين واللاجئين ووحدة الأراضي التشادية. لكن بيانات UNHCR السابقة سجلت استمرار العبور رغم الإغلاق: كان في تشاد بحلول 20 يوليو نحو 1.382 مليون لاجئ سوداني، بينهم 937,950 وصلوا منذ أبريل 2023. فالحدود تستطيع إغلاق المعبر الرسمي، لكنها لا توقف المدني الذي يهرب من قصف أو اضطهاد.
وتوضح نسبة أخرى حدود مفهوم «العبور الآمن»: اذ قالت 41% من الأسر إن أفراداً منها ظلوا داخل السودان. وبين هؤلاء، بقي نقص وسائل النقل السبب الأكبر، وإن تراجعت نسبته من 81% في يونيو إلى 76% في يوليو، فيما ارتفعت نسبة من اختاروا البقاء من 10% إلى 19%. لا يعني ذلك أن البقاء أصبح آمناً؛ فقد يعكس نفاد المال أو الخوف من الطريق أو قرار فرد واحد حماية أرض العائلة، بينما يعبر الأطفال والنساء أولاً.
سياسياً، يخدم استمرار النزوح منطق الحرب الذي يقوده قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي»: يستطيع كل طرف تثبيت مناطق نفوذه بينما تتحمل تشاد والوكالات الإنسانية الكلفة السكانية. وكان الباحث السوداني سليمان بلدو، رئيس «متعقب الشفافية والسياسات في السودان» والمسؤول السابق في مجموعة الأزمات الدولية، قد قدّر في تحليل نشر في 26 يناير أن عجز القوى الإقليمية عن توحيد مصالحها يرجح ترسخ تقسيم فعلي للسودان بدلاً من حسم عسكري. تحليل بلدو وأحمد كدودة
أما اقتصادياً، فلا تتوقف الفاتورة عند الغذاء والخيام. فاللاجئون يحتاجون إلى نقل من المناطق الحدودية المعرضة للقتال والفيضانات، وتسجيل بيومتري، وتعليم وصحة وحماية. وأظهر تحديث UNHCR في 20 يوليو أن خطة الاستجابة الإقليمية المطلوبة بقيمة 567.7 مليون دولار لم تحصل إلا على 18% من تمويلها، بينما كان أكثر من 222 ألف شخص ينتظرون النقل من منطقة أدري وحدها. والفجوة هنا ليست محاسبية: التأخير يبقي أسراً كاملة في مناطق يمكن أن تصل إليها الاعتداءات أو الأمطار قبل وصول الحافلات والمساعدات.
وهكذا لا يختبر السودان قدرة تشاد على ضبط حدودها فقط، بل يختبر معنى الحماية الدولية عندما تتحول الحدود إلى امتداد للحرب. إغلاق المعبر قد يردع المقاتل أو يرسل رسالة سيادية، لكنه لا يمنع المسيّرة ولا يزيل الاضطهاد ولا يوفر مقعداً في شاحنة لعائلة ممزقة. والسؤال الذي تطرحه أرقام يوليو ليس كم شخصاً عبر، بل كم انتهاكاً يجب أن يقع قبل أن تعامل الدبلوماسية الدولية الطريق بين دارفور وتشاد باعتباره جبهة حماية قائمة بذاتها؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى