غوتيريش في دمشق: زيارة تاريخية تضع سوريا الجديدة بين بوابة الاعتراف وامتحان العدالة

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
لم تكن زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى دمشق في 25 يوليو/تموز 2026 مجرد محطة دبلوماسية عابرة في جدول مسؤول دولي يوشك على إنهاء ولايته. فالزيارة، وهي الأولى له إلى سوريا بصفته أمينًا عامًا، والأولى رسميًا لأمين عام للأمم المتحدة إلى العاصمة السورية منذ عام 2009، حملت رسالة سياسية مزدوجة: المجتمع الدولي مستعد للتعامل مع المرحلة الانتقالية الجديدة، لكنه لا يريد أن يكون الانتقال غطاءً لنسيان الماضي أو تجاوز ملف المفقودين والسجون والانتهاكات.
وجاءت الزيارة بعد نحو عامين من سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، وفي لحظة تحاول فيها السلطة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع تثبيت مؤسساتها داخليًا، واستعادة الاعتراف الخارجي، وإقناع العالم بأن سوريا دخلت مسارًا جديدًا لا يقوم فقط على تغيير القيادة، بل على إعادة بناء الدولة بعد حرب دمرت الاقتصاد والمجتمع والبنية التحتية.
ولهذا بدا برنامج غوتيريش في دمشق وكأنه صُمم بعناية ليحمل أكثر من معنى. فقد التقى الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، وزار الجامع الأموي في قلب العاصمة القديمة، ثم توجه إلى سجن صيدنايا، المكان الذي تحول خلال عقود إلى أحد أكثر رموز القمع والاختفاء القسري في سوريا. وبين القصر الرئاسي والجامع والسجن، رسم الأمين العام ثلاث صور متوازية: سلطة جديدة تبحث عن الشرعية، وهوية وطنية تريد استعادة وحدتها، وذاكرة ثقيلة لا يمكن بناء المستقبل من دون مواجهتها.
وقال غوتيريش عند وصوله إنه جاء في «زيارة تضامن»، داعيًا المجتمع الدولي إلى عدم ادخار أي جهد لمساندة الشعب السوري في هذه المرحلة التي وصفها بالمفصلية. كما قدم الزيارة باعتبارها اعترافًا بأن سوريا أمام فرصة لا تقتصر على الخروج من الحرب، بل تشمل بناء مستقبل أكثر استقرارًا وشمولًا وازدهارًا لجميع السوريين.
لكن التضامن في الخطاب الأممي لم يكن تفويضًا مفتوحًا للسلطة الانتقالية. فقد ربط غوتيريش بوضوح بين دعم الانتقال وإعادة الإعمار وبين ضرورة العدالة والمحاسبة واحترام حقوق جميع السوريين. وهذا الربط مهم لأن التجارب الدولية السابقة أظهرت أن الانتقالات التي تعتمد على إعادة بناء المؤسسات من دون معالجة إرث الاعتقال والتعذيب والاختفاء القسري قد تحقق هدوءًا مؤقتًا، لكنها تترك جذور الصراع كامنة داخل الدولة والمجتمع.
وتحمل زيارة صيدنايا المعنى الأثقل في هذا السياق. فالسجن ليس مجرد مبنى خرج من الخدمة بعد سقوط النظام السابق، بل مستودع لذاكرة وطنية لم تُفتح كل أبوابها بعد. وقد رافق غوتيريش خلال الجولة مسؤولون سوريون، إلى جانب أحد المعتقلين السابقين، في مشهد نقل القضية من تقارير المنظمات الحقوقية وشهادات الناجين إلى مستوى الاعتراف الرسمي المباشر من أعلى مسؤول في الأمم المتحدة.
غير أن القيمة الحقيقية للزيارة لن تُقاس بصورة الأمين العام داخل الممرات والزنازين، بل بما سيأتي بعدها. فالاختبار الأصعب يتعلق بالوصول إلى السجلات، وتحديد مصير المفقودين، وحماية المقابر الجماعية والأدلة والوثائق، ومنع العبث بمواقع الاحتجاز السابقة، وبناء آلية قانونية تسمح للضحايا وأسرهم بمعرفة الحقيقة.
ففي ملف مثل صيدنايا، يمكن أن تضيع العدالة مرتين: مرة عندما تقع الجريمة، ومرة عندما تُفقد الأدلة بعد سقوط الجهة التي ارتكبتها. ولهذا فإن حماية الأرشيف، وجمع الشهادات بطريقة مهنية، وتوثيق سلاسل القيادة والمسؤولية، ليست مسائل تقنية ثانوية، بل جزء أساسي من الانتقال السياسي نفسه.
كما أن ملف المفقودين أكبر من سجن واحد. فسنوات الحرب والاعتقال والنزوح خلفت آلاف العائلات التي لا تعرف إن كان أبناؤها أحياء أم أمواتًا، ولا تملك شهادات وفاة أو معلومات تسمح لها بإغلاق هذا الفصل. ومن هنا، فإن أي حديث عن المصالحة الوطنية سيظل ناقصًا ما لم يتحول حق العائلات في المعرفة إلى أولوية مؤسساتية، لا إلى وعد أخلاقي مؤجل.
وتمنح الزيارة السلطة الانتقالية فرصة مهمة لإظهار أن علاقتها بالماضي تختلف عن علاقة النظام السابق به. فإذا فتحت السجلات، وتعاونت مع الآليات الأممية، وسمحت للمحققين والحقوقيين بالعمل، فستكون قد حولت صيدنايا من رمز للخوف إلى مدخل لبناء الشرعية. أما إذا بقيت الزيارة عند حدود الصورة، فإن السجن قد يتحول من شاهد على مرحلة سابقة إلى اختبار تفشل فيه المرحلة الجديدة.
وبالتوازي مع ملف العدالة، ركز غوتيريش على الأزمة الاقتصادية والإنسانية الهائلة التي تواجه البلاد. فبحسب التقديرات الأممية، يعيش نحو 90 في المئة من السكان في الفقر، فيما قد تصل كلفة إعادة إعمار سوريا إلى نحو 216 مليار دولار. ورغم تخفيف عدد من العقوبات الأميركية والأوروبية التي فُرضت خلال حكم الأسد، لا يزال أثر ذلك محدودًا على الحياة اليومية، بينما أدت تخفيضات التمويل الإنساني إلى زيادة الضغط على ملايين السوريين.
وهنا تظهر معضلة إعادة الإعمار. فالدول والمؤسسات المانحة تريد ضمانات سياسية وقانونية قبل ضخ الأموال، بينما تحتاج السلطة الانتقالية إلى نتائج اقتصادية سريعة حتى تثبت للسوريين أن تغيير النظام يمكن أن يغير حياتهم. وكلما تأخر التعافي، ارتفع خطر البطالة والهجرة والجريمة والتوترات المحلية، وتراجعت قدرة الدولة الجديدة على تقديم نفسها بديلًا مستقرًا.
ولا تقتصر إعادة الإعمار على ترميم الجسور والمباني. فسوريا تحتاج إلى إعادة بناء المؤسسات القضائية، وأنظمة التعليم والصحة والمياه والكهرباء، وإعادة دمج ملايين النازحين واللاجئين، وتسوية قضايا الملكية والسكن، وتوفير بيئة آمنة للعودة. كما تحتاج إلى نموذج اقتصادي يمنع تحول المساعدات إلى شبكة جديدة للمحسوبية أو الفساد.
وكان مجلس الأمن قد تلقى قبل أيام من الزيارة إحاطة تفيد بأن الانتقال السياسي وصل إلى محطة مؤسساتية مهمة مع إنشاء مجلس شعب ومحكمة دستورية عليا. لكن المسؤولين الأمميين حذروا في الوقت نفسه من أن استمرار انعدام الأمن، والتحركات العسكرية الإسرائيلية، ونقص تمويل الاستجابة الإنسانية، يمكن أن يهدد هذا التقدم الهش.
ولهذا لم يفصل غوتيريش بين الداخل السوري والمشهد الإقليمي. فقد أدان الضربات والتوغلات الإسرائيلية في جنوب سوريا، وطالب بوقف الانتهاكات التي تمس سيادة البلاد وسلامة أراضيها. كما أكد أن موقف الأمم المتحدة من الجولان لم يتغير، وأن المنظمة تعتبره أرضًا سورية محتلة، مشددًا على أن ما هو سوري لا يجوز انتزاعه من سوريا.
وتحمل هذه التصريحات أهمية خاصة للسلطة الانتقالية. فهي تمنحها دعمًا قانونيًا وسياسيًا من الأمم المتحدة في ملف السيادة، لكنها تضع عليها في الوقت نفسه مسؤولية إدارة الحدود والجنوب بطريقة تمنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع. وقد كان أحمد الشرع قد أعلن بعد وصوله إلى السلطة أنه لا يريد حربًا مع إسرائيل، إلا أن التوغلات والغارات المتكررة جعلت هذا الخيار أكثر تعقيدًا، وخلقت ضغطًا داخليًا على الحكومة الجديدة لإثبات قدرتها على حماية أراضي البلاد.
وتشير التقارير إلى أن إسرائيل نفذت مئات الضربات على منشآت عسكرية سورية، وتحركت داخل المنطقة العازلة وخارجها، ما أدى أحيانًا إلى احتكاكات مع السكان. واعتبر غوتيريش أن ما يجري في محيط الجولان غير مقبول، وأن الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة السورية يجب أن تتوقف.
غير أن الدعم الأممي للسيادة السورية لا يعني أن المنظمة ستمنح دمشق الجديدة شيكًا على بياض. فالأمم المتحدة تريد دولة موحدة وقادرة على بسط سلطتها، لكنها تريد أيضًا دولة تحمي الأقليات، وتمنع الانتقام، وتستوعب التنوع السياسي والديني، وتبني مؤسسات يمكن مساءلتها.
وقد التقى غوتيريش خلال زيارته مسؤولين سوريين، وكان من المقرر أن يجتمع أيضًا مع مجموعات نسائية وممثلين عن المجتمع المدني ومكونات اجتماعية مختلفة، قبل مخاطبة مجلس الشعب الجديد. وهذا الجانب من البرنامج يهدف إلى تأكيد أن الانتقال لا يمكن أن يُختصر في علاقة بين الأمم المتحدة والحكومة، بل يجب أن يشمل السوريين الذين تحملوا نتائج الحرب والاعتقال والنزوح.
وتوجد في خلفية المشهد مخاوف حقيقية من أن تتحول إعادة بناء الدولة إلى إعادة تركيز السلطة في يد مجموعة واحدة. فالتجربة السورية لا تحتاج فقط إلى مؤسسات جديدة بأسماء جديدة، بل إلى قواعد تمنع عودة الاستبداد، وتضمن استقلال القضاء، وحرية الإعلام، وتمثيل النساء والأقليات، وتوزيع السلطة والموارد بصورة عادلة.
ومن هنا، فإن زيارة الجامع الأموي لم تكن مجرد محطة دينية أو ثقافية. ففي بلد عانى انقسامات طائفية ومناطقية حادة، يحمل الوقوف في أحد أبرز معالم دمشق رسالة عن الاستمرارية التاريخية ووحدة الهوية الوطنية. لكنها رسالة لن تكتمل إلا إذا ترجمت الدولة الجديدة هذا الرمز إلى سياسات تمنح جميع السوريين شعورًا متساويًا بالمواطنة والأمان.
كما أن زيارة غوتيريش تأتي في وقت تحاول فيه الأمم المتحدة استعادة دورها في سوريا بعد سنوات كانت فيها العملية السياسية متعثرة، والمساعدات الإنسانية خاضعة لصراعات النفوذ، ومجلس الأمن عاجزًا عن التوافق على مسار واضح. واليوم، يفتح سقوط النظام السابق نافذة جديدة للمنظمة، لكنه لا يضمن نجاحها.
فالأمم المتحدة تستطيع تقديم الخبرة والشرعية والمساعدات والوساطة، لكنها لا تستطيع بمفردها حل معادلة تتداخل فيها المصالح السورية الداخلية مع سياسات القوى الإقليمية والدولية. كما أن قدرتها على دعم إعادة الإعمار ستظل مرتبطة بمدى استعداد الدول المانحة لتمويله، وبمستوى الثقة في المؤسسات السورية الجديدة.
ولهذا فإن زيارة غوتيريش يمكن قراءتها باعتبارها بداية مفاوضات غير معلنة حول شكل العلاقة بين سوريا والمجتمع الدولي. دمشق تريد الاعتراف والاستثمارات ورفع القيود وعودة اللاجئين. أما الأمم المتحدة والدول المانحة، فتريد انتقالًا شاملًا، ومحاسبة، وضمانات أمنية وقانونية، وحماية للأدلة، وتعاونًا في ملفات المفقودين وحقوق الإنسان.
وما سيحدد مستقبل هذه العلاقة ليس الخطاب وحده، بل قدرة الطرفين على تحويله إلى ترتيبات عملية. هل ستُنشأ آلية مستقلة للمفقودين؟ هل ستُفتح سجلات السجون؟ هل ستُحمى المقابر الجماعية؟ هل ستتمكن المنظمات الإنسانية من الوصول إلى جميع المناطق؟ هل ستشارك النساء والمكونات المختلفة في صياغة الدستور ومؤسسات الدولة؟ وهل ستُربط أموال إعادة الإعمار بالشفافية بدل الولاء السياسي؟
تلك هي الأسئلة التي تجعل زيارة صيدنايا أهم من مراسم الاستقبال، وتجعل الانتقال السياسي أكثر تعقيدًا من تغيير العلم أو أسماء المؤسسات.
لقد دخل غوتيريش دمشق حاملًا رسالتين تبدوان متناقضتين، لكنهما في الحقيقة متلازمتان: سوريا تحتاج إلى دعم عاجل كي لا يضيع انتقالها تحت ضغط الفقر والدمار، لكنها تحتاج أيضًا إلى حقيقة وعدالة كي لا يُبنى المستقبل فوق صمت الضحايا.
السؤال لم يعد ما إذا كان المجتمع الدولي سيعترف بالسلطة الجديدة، بل أي نوع من الدولة سيطلب منها أن تبنيه مقابل هذا الاعتراف.
فإذا نجحت سوريا في الجمع بين السيادة والمحاسبة، وبين إعادة الإعمار وحقوق الإنسان، وبين استعادة المؤسسات وعدم إعادة إنتاج القمع، فقد تصبح زيارة غوتيريش بداية لعودة البلاد إلى النظام الدولي.
أما إذا تحولت صيدنايا إلى صورة تذكارية، وبقيت السجلات مغلقة والمفقودون بلا أجوبة، فقد يتغير وجه السلطة من دون أن تتغير العلاقة بين الدولة والمواطن.
ولهذا، لم تكن زيارة الأمين العام إلى دمشق إعلانًا بأن الأزمة السورية انتهت، بل كانت إعلانًا بأن امتحانًا جديدًا قد بدأ: هل تستطيع سوريا الجديدة أن تطلب من العالم تمويل مستقبلها، وفي الوقت نفسه أن تواجه الحقيقة الكاملة لماضيها؟




