من أرحام الحرب الإيرانية الأمريكية، تفوّق الصين الصامت

 

 

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

في أحدث تطور يعكس هشاشة الهدنة في الخليج، تعرضت سفن تجارية لإطلاق نار تحذيري في مضيق هرمز، في خرق واضح لوقف إطلاق النار، ما أعاد التوتر فورًا إلى أهم ممر طاقة في العالم، وأعاد معه المخاوف من شلل جزئي أو كامل في حركة الملاحة. هذا التصعيد لم يقتصر أثره على أسعار النفط وتقلباتها الحادة، بل كشف عن أزمة أعمق بدأت تتشكل في صمت داخل سلاسل الإمداد العالمية، عنوانها نقص إمدادات الكبريت، المادة الأساسية التي تدخل في الصناعات الزراعية والكيميائية والتعدينية، وهو ما ينذر بموجة تضخمية جديدة قد تمتد إلى أسعار الغذاء عالميًا.

هذه التطورات المتسارعة تضع الاقتصاد العالمي أمام صدمة مركبة، حيث لم يعد التهديد مقتصرًا على الطاقة فقط، بل امتد إلى مدخلات الإنتاج الأساسية. فالشرق الأوسط، الذي يمثل نحو 50% من صادرات الكبريت عالميًا، بات تحت ضغط مباشر نتيجة التوترات، فيما أدت الحرب في أوكرانيا سابقًا إلى رفع الأسعار إلى أعلى مستوياتها منذ أربع سنوات، لتأتي الأزمة الحالية وتعمّق هذا الاختناق. وقد بدأت دول بالفعل في اتخاذ إجراءات حمائية، مثل حظر تركيا لصادراتها، ودراسة الهند لقيود مماثلة، بينما تستعد الصين لفرض قيود على صادرات حمض الكبريتيك الذي يشكل نحو 20% من السوق العالمي، في خطوة تعكس تحول الأزمة من اضطراب مؤقت إلى إعادة تشكيل في موازين العرض والطلب.

في خلفية هذا المشهد، يتجلى مضيق هرمز كعامل حاسم في المعادلة، ليس فقط لكونه يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، بل لأنه أصبح أداة ضغط جيوسياسي واختبارًا عمليًا لقدرة القوى الكبرى على إدارة الصراع دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. فكل حادثة بحرية، حتى وإن كانت محدودة، تعيد تسعير المخاطر عالميًا، وترفع تكاليف التأمين والشحن، وتدفع الشركات إلى إعادة النظر في سلاسل التوريد، ما يخلق بيئة اقتصادية قائمة على عدم اليقين.

وسط هذه الضبابية، تظهر الصين كلاعب رئيسي، ولكن بأسلوب مختلف عن القوى التقليدية. فهي، رغم كونها أكبر مستورد للنفط في العالم، تختار موقع المراقب الحذر بدل المواجهة المباشرة، معتمدة على ما يمكن وصفه بالدبلوماسية الصامتة. هذا الموقف لا يعكس حيادًا كاملاً بقدر ما يعكس استراتيجية دقيقة تقوم على الاستفادة من التوتر دون التورط فيه. فالصين، التي تعتمد بشكل كبير على استقرار مضيق هرمز لتأمين وارداتها، تدرك في الوقت ذاته أن أي تصعيد يعيد تشكيل الأسواق العالمية بطرق قد تمنحها نفوذًا أكبر في سلاسل الإمداد، خصوصًا في القطاعات الصناعية التي تهيمن عليها.

وإذا ما نظرنا إلى الأزمة من زاوية أعمق، فإن ما يحدث يتجاوز كونه صراعًا إقليميًا، ليصبح جزءًا من نمط عالمي جديد، حيث تتحول الحروب إلى منصات لإعادة توزيع القوة الاقتصادية والتكنولوجية. فالصين، التي درست منذ حرب الخليج عام 1991 كيفية استخدام التفوق التكنولوجي في الحروب، تراقب اليوم عن كثب تطور أنظمة الدفاع والهجوم في النزاعات الحالية، مستفيدة من البيانات التي توفرها هذه الصراعات حول أداء الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية، دون أن تتحمل تكلفة المواجهة المباشرة.

هذا التفاعل بين الجيوسياسة والاقتصاد يعيد رسم خريطة النفوذ العالمي، حيث لم يعد التفوق يقاس فقط بالقوة العسكرية، بل أيضًا بالقدرة على التحكم في سلاسل الإمداد والموارد الاستراتيجية. وفي هذا السياق، تصبح أزمة الكبريت مثالًا واضحًا على كيف يمكن لمادة غير مرئية في العناوين الرئيسية أن تتحول إلى عامل حاسم في الاقتصاد العالمي، يؤثر على الزراعة والصناعة والتضخم، وربما يفرض على بعض القطاعات تقليص الإنتاج أو إيقافه.

ومع استمرار التوترات، يبقى الاقتصاد العالمي في حالة توازن هش، حيث تتراجع حدة الصدمات مؤقتًا مع كل إعلان تهدئة، لكنها تعود سريعًا مع أي تصعيد جديد. هذا الوضع يضع العالم أمام احتمالات متعددة، تتراوح بين استمرار التوتر دون حرب شاملة، وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا، أو انزلاق الأمور نحو مواجهة أوسع قد تؤدي إلى اضطرابات عميقة في الطاقة والتجارة، أو في أفضل الأحوال تثبيت هدنة تسمح بعودة تدريجية للاستقرار.

في المحصلة، لا يبدو أن العالم يعيش مرحلة استقرار حقيقي، بل مرحلة انتقالية تتشكل فيها ملامح نظام اقتصادي جديد، حيث تلعب الممرات البحرية والمواد الخام وسلاسل الإمداد دورًا لا يقل أهمية عن الجيوش والتحالفات. وبينما تنشغل القوى التقليدية بإدارة الصراع، تتحرك الصين بهدوء داخل هذه التحولات، مستفيدة من كل اهتزاز في النظام العالمي لتعزيز موقعها، ليس في ساحة المعركة، بل في عمق الاقتصاد العالمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى