تعزيز الحوكمة المؤسسية في اليمن: نحو ضبط الصلاحيات وترسيخ الدولة

بقلم: د.رشيد صالح بارباع
عضو مجلس الشورى
وزير النفط الأسبق
في لحظة دقيقة تمر بها اليمن، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى ترسيخ مفهوم الدولة المؤسسية، القائمة على وضوح الصلاحيات وتكامل الأدوار، لا على الاجتهادات الفردية أو التداخلات الإدارية. وفي هذا السياق، تمثل الاجتماعات التي عُقدت بتاريخ 21 أبريل 2026 برئاسة رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، وبمشاركة نوابه ورئيس الحكومة وعدد من الوزراء والمحافظين، خطوة مهمة في اتجاه إعادة تنظيم العلاقة بين مستويات السلطة المختلفة.
هذه الاجتماعات لا تُقرأ فقط كمعالجات آنية لقضايا خدمية، بل كإشارة أعمق إلى توجه نحو إعادة بناء منظومة الحكم على أسس مؤسسية أكثر انضباطاً، تقوم على التنسيق والتشاور واحترام الاختصاصات.
غير أن الواقع الإداري خلال الفترة الماضية كشف عن بعض مظاهر التداخل في الصلاحيات بين المركز والمحافظات، خصوصاً في القضايا ذات الطابع الاستراتيجي. ورغم أن بعض هذه الممارسات قد تنطلق من نوايا إيجابية واجتهادات محلية، إلا أنها في غياب إطار قانوني واضح تؤدي إلى إرباك في القرار العام وإضعاف لمنظومة الدولة.
ومن واقع تجربة عملية سابقة في العمل الحكومي، فإن أحد أبرز التحديات التي تواجه الإدارة العامة يتمثل في غموض الحدود الفاصلة بين مهام الوزارات وصلاحيات السلطات المحلية. هذا الغموض لا يرتبط بالأشخاص بقدر ما يرتبط بضعف تحديث الأطر القانونية والتنظيمية التي تضبط العلاقة بين المستويات المختلفة للدولة.
وعليه، فإن الحاجة ملحة اليوم لإعادة مراجعة وتحديث هذه الأطر، بما يضمن وضوحاً دقيقاً وملزماً للصلاحيات، بحيث تمارس كل جهة دورها ضمن حدودها القانونية دون تداخل أو تجاوز، وبما يعزز كفاءة الأداء المؤسسي ويحد من الازدواجية في القرار.
كما أن ضبط مسألة تداول المعلومات، خاصة ذات الطابع الاستراتيجي، يمثل جانباً بالغ الأهمية في بناء الدولة. إذ لا يمكن التعامل مع ملفات اقتصادية أو تتعلق بالثروات الطبيعية أو المشاريع الاستراتيجية خارج إطار التنسيق المؤسسي مع الجهات المختصة، لما لذلك من تأثير مباشر على الاستقرار الاقتصادي والأمني.
وفي هذا الإطار، تمثل الاجتماعات الأخيرة خطوة إيجابية، ليس فقط في معالجة قضايا آنية، بل في فتح الباب أمام إعادة صياغة العلاقة بين المركز والمحافظات على أسس أكثر وضوحاً وانضباطاً.
غير أن هذه الخطوة ينبغي ألا تبقى محصورة في هذا المستوى، بل يجب أن تمتد إلى بقية مؤسسات الدولة. فمن الضروري أن تُفعّل آليات التنسيق الدوري بين الوزراء ووحداتهم التنفيذية في المحافظات، والهيئات والشركات التابعة لهم، بما يعزز وحدة القرار ويمنع تشتته.
إن بناء دولة قوية لا يتحقق بتعدد مراكز القرار، بل بوضوحه وتكامله داخل منظومة واحدة تحكمها القوانين واللوائح، لا الاجتهادات الفردية.
إن ما يجري اليوم من إعادة تنشيط للتنسيق المؤسسي يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه يحتاج إلى استكماله بإصلاحات تشريعية وتنظيمية أعمق، تضمن استدامة هذا النهج وتحويله إلى ثقافة دولة لا مجرد إجراءات ظرفية.
والشكر موصول لكل من يسهم في ترسيخ هذا النهج، لأنه الطريق الحقيقي نحو دولة قوية ومستقرة.




