بين مأرب وباب المندب: مواجهة الشرعية والحوثيين وفي الخلفية صراع القوى على البحر الأحمر

FYE- HN- UN

 

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

في الحروب الطويلة، لا يكون أخطر ما يحدث دائمًا في الجبهة التي تُسمع فيها المدافع. أحيانًا تكون المعركة الحقيقية خلفها، في الميناء الذي تمر منه السفن، وفي المطار الذي تنطلق منه المسيّرات، وفي العاصمة التي تقرر من يجب أن يبقى ومن يجب أن يتراجع. وهذا بالضبط ما يحدث اليوم في اليمن. فالمشهد الظاهر هو تصعيد عسكري جديد بين الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا وجماعة أنصار الله الحوثية، لكن خلف مأرب والمخا وحضرموت تمتد معركة أوسع بكثير: السعودية تريد حماية حدودها وموانئها، إيران تريد الحفاظ على ورقة ضغط منخفضة الكلفة وعالية التأثير، الولايات المتحدة تريد حماية الملاحة من دون الانجرار إلى جبهة إضافية، بينما تدخل حسابات الإمارات وعُمان وتركيا ومصر وباكستان، وحتى أمن قناة السويس، في الخلفية ذاتها.

والتحذير هذه المرة لم يأتِ من محلل يرفع سقف التوقعات، بل من هانس غروندبرغ، المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن. ففي جلسة مجلس الأمن رقم 10208 في 13 أغسطس 2026 قال إن اليمن يواجه اليوم أخطر احتمال للعودة إلى حرب واسعة منذ هدنة 2022، مشيرًا إلى تصاعد النشاط العسكري وهجمات الحوثيين في مأرب وحضرموت والمخا ومناطق أخرى، وإلى أن الهجمات في البحر الأحمر بدأت تربط الحرب اليمنية مباشرة بالمواجهة الإقليمية الأوسع. هذه ليست عودة كاملة إلى حرب 2015 حتى الآن، لكنها لحظة يصبح فيها انهيار الهدوء المتبقي احتمالًا حقيقيًا.

والرقم الذي يكشف أن التصعيد لم يعد مجرد رسائل هو ما حدث في المخا يوم 9 أغسطس. قالت القوات اليمنية إن هجومًا حوثيًا بالصواريخ والطائرات المسيّرة أدى إلى مقتل 7 أشخاص، بينهم 4 عسكريين و3 مدنيين، وإصابة 30 آخرين، وإن الدفاعات الجوية أسقطت 11 مسيّرة شاركت في الهجوم. الحوثيون قالوا من جهتهم إنهم استهدفوا تجمعات عسكرية ومخازن أسلحة مرتبطة بالقوات المدعومة من السعودية. وهذه نقطة مهمة: المخا ليست مدينة ساحلية عادية؛ موقعها قرب باب المندب يجعل أي معركة فيها تتجاوز اليمن فورًا إلى الملاحة الدولية.

لكن مأرب قد تكون العقدة الأهم داخل اليابسة. فهي ليست فقط محافظة نفط وغاز، بل واحدة من أهم المناطق التي بقيت خارج السيطرة الحوثية الكاملة، ومركزًا عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا للحكومة اليمنية. لذلك عندما يصعد الحوثيون الضغط عليها، فإنهم لا يهاجمون جبهة فقط، بل يختبرون ما إذا كانت الحكومة لا تزال قادرة على حماية آخر مراكز القوة الاستراتيجية في الشمال. وفي المقابل، فإن خسارة الحوثيين زخمًا في مأرب أو الساحل الغربي تعني تراجع قدرتهم على القول إنهم القوة اليمنية الوحيدة القادرة على فرض شروط سياسية على الآخرين.

لكن هنا تبدأ القصة الحقيقية.

لأن الحوثيين لا يقاتلون الحكومة اليمنية فقط.

هم يقفون على واحدة من أهم قطع الشطرنج في الصراع بين إيران والولايات المتحدة والسعودية.

وفي 20 يوليو 2026 أعلن الحوثيون حصارًا بحريًا يستهدف السفن المرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر. وبعد أيام ادّعوا تنفيذ هجمات على ناقلات نفط سعودية، ثم جاءت ضربات استهدفت بنى مرتبطة بالطاقة. مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS قال إن السعودية كانت، بعد اضطراب مضيق هرمز، تستطيع تمرير نحو 80% من صادراتها النفطية عبر البحر الأحمر؛ لكن توسع الهجمات الحوثية جعل الطريق البديل نفسه عرضة للضغط. بمعنى آخر: إذا كان هرمز في الشرق نقطة ضغط إيرانية، فإن الحوثيين يستطيعون جعل باب المندب في الغرب نقطة ضغط ثانية.

وهنا تصبح الجغرافيا أخطر من عدد الصواريخ.

باب المندب هو الطريق الذي يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر ثم قناة السويس. فإذا اضطر عدد كبير من السفن إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح، لا تزيد مسافة الرحلات فقط؛ ترتفع معها تكاليف الوقود والتأمين والشحن، وتتأخر السلع والطاقة، وتتضرر إيرادات قناة السويس المصرية. ولهذا وصف خبراء في تشاتام هاوس الوضع في يوليو بأنه احتمال نشوء أزمة في ثلاث نقاط اختناق بحرية مترابطة: هرمز وباب المندب وقناة السويس.

وهنا نصل إلى إيران.

من السهل جدًا أن نقول: الحوثيون مجرد ذراع إيرانية. لكن هذا تبسيط يضيع جزءًا مهمًا من الصورة. الباحثون في CSIS يشيرون إلى أن إيران لم تنشئ الحوثيين، وأن الحركة كانت موجودة وتقاتل قبل أن يصبح الدعم الإيراني عاملًا حاسمًا. لكنها منذ سنوات حصلت على دعم إيراني في مجالات مثل الصواريخ والمسيّرات والتكنولوجيا والتدريب، وهو ما منح طهران وسيلة منخفضة الكلفة للضغط على السعودية والولايات المتحدة بعيدًا عن الأراضي الإيرانية نفسها. وبعبارة أبسط: الحوثي ليس جهازًا يمكن لطهران تشغيله وإطفاؤه بزر واحد، لكنه أصبح بالنسبة لإيران استثمارًا استراتيجيًا رخيصًا مقارنة بما يمكن أن يسببه من أضرار للخصوم.

وهذا بالضبط ما يجعل الموقف الحالي أكثر صعوبة على واشنطن والرياض. فبحسب تحليل مايكل راتني في CSIS في 13 أغسطس، الولايات المتحدة لا تريد فتح جبهة جديدة في اليمن بينما لا تزال مواجهة إيران الأوسع دون تسوية نهائية. لكن السعودية لا تستطيع في المقابل تجاهل هجمات تصل إلى أراضيها أو تهدد طريق صادراتها النفطية في البحر الأحمر. أي أن واشنطن قد تريد الاحتواء، بينما قد تحتاج الرياض إلى الردع بالقوة، وهنا يمكن أن تظهر فجوة بين الحليفين حتى لو بقي التحالف نفسه قويًا.

والتفصيل الأهم ربما وقع قبل ذلك بشهر. ففي 3 يوليو وصلت طائرة تابعة لشركة ماهان إير إلى صنعاء، في أول رحلة مباشرة من طهران إلى العاصمة اليمنية منذ نحو عشر سنوات، بحسب CSIS. الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية قالت إن الرحلة لم تحمل وفدًا فقط، بل عناصر ومواد مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، وهو اتهام لم يمكن التحقق منه بصورة مستقلة. وبعد فشل الوساطات لمنع رحلة أخرى، قصفت السعودية في 13 يوليو مدارج مطاري صنعاء والحديدة، بحسب التحليل ذاته، ثم جاء الرد الحوثي باستهداف مطار أبها. هنا يمكن رؤية التحول بوضوح: الحرب لم تعد فقط حكومة ضد حوثيين، بل بدأ يظهر فيها شيء يشبه خط إمداد إيراني مقابل محاولة سعودية لقطعه.

لكن السعودية نفسها لا تتحرك في فراغ.

ففي نهاية 2025 وبداية 2026 ظهرت إلى السطح خلافات أعمق بينها وبين الإمارات داخل اليمن. تشاتام هاوس أشار في يناير إلى أن المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا أطلق تحركًا واسعًا في حضرموت والمهرة، وهما محافظتان تشكلان معًا أكثر من نصف مساحة اليمن، وهو ما أثار قلق الرياض لأنها لا تريد قيام كيان انفصالي قوي بمحاذاة حدودها الجنوبية. ولذلك فإن معسكر «الشرعية» نفسه ليس كتلة واحدة دائمًا؛ هناك حكومة معترف بها دوليًا، ومجلس قيادة رئاسي، وقوى جنوبية، وتشكيلات محلية، وكل واحدة منها لديها راعٍ أو حسابات مختلفة.

وهذا ربما أهم ما يميز اليمن عن أوكرانيا.

في أوكرانيا يمكن رسم المعركة، رغم تعقيدها، بين دولتين واضحتين نسبيًا.

أما في اليمن، فالمشكلة أنك قد تحتاج إلى أكثر من خريطة واحدة.

خريطة الحوثيين والحكومة.

خريطة الشمال والجنوب.

خريطة السعودية والإمارات.

خريطة إيران والولايات المتحدة.

وخريطة البحر الأحمر.

وهذه الخرائط لا تتطابق دائمًا.

الحليف في واحدة قد يصبح خصمًا في أخرى.

وهنا يدخل عُمان أيضًا، لكن بطريقة مختلفة. مسقط حاولت طوال سنوات الحفاظ على قناة اتصال مع الحوثيين وإيران والسعودية، وتقديم نفسها وسيطًا أكثر من كونها طرفًا مقاتلًا. لكن تشاتام هاوس حذر في يناير من أن التحولات في شرق اليمن، خصوصًا المهرة وحضرموت، تجعل الحياد العُماني أصعب، لأن أي تغيير عسكري كبير هناك يصل مباشرة إلى حدودها ومصالحها الأمنية.

ثم تأتي المفاجأة الجديدة: السعودية أعلنت في 30 يوليو تشكيل تحالف بحري لحماية حرية الملاحة في البحر الأحمر، ودعت إليه 43 دولة، بينما انضمت في البداية 14 دولة بينها مصر وتركيا وباكستان وقطر والكويت والبحرين والأردن والسودان والصومال واليمن. المثير هنا أن الولايات المتحدة لم تكن ضمن الدول الأربع عشرة الأولى، بحسب CSIS. وهذه ليست تفصيلة صغيرة. فهي تقول إن الرياض تحاول توسيع خياراتها الأمنية، وربما بناء آلية إقليمية لا تعتمد في كل مرة على البحرية الأمريكية وحدها.

لكن المشكلة أن الأسماء الكبيرة على الورق لا تعني بالضرورة قوة بحرية كبيرة في الماء. CSIS أشار إلى أن من بين الدول المشاركة، تمتلك أساسًا مصر وتركيا وباكستان والسعودية قدرات بحرية كبيرة نسبيًا. وهنا يظهر سؤال استراتيجي مهم: هل تستطيع هذه الدول بناء منظومة ردع حقيقية في البحر الأحمر، أم أن التحالف سيبقى سياسيًا ما لم تدخل الولايات المتحدة بثقلها العسكري والاستخباراتي؟

ولهذا فإن مصر موجودة في الحرب من دون أن تطلق رصاصة.

كل سفينة لا تمر من البحر الأحمر إلى قناة السويس تعني خسارة أو تأخيرًا محتملًا للإيرادات المصرية. وكل ارتفاع في المخاطر يضغط على واحدة من أهم مصادر العملة الصعبة في البلاد. واليمن بالنسبة للقاهرة إذن ليس ملفًا بعيدًا في شبه الجزيرة العربية؛ إنه مرتبط مباشرة بأمن قناة السويس.

وهنا أيضًا تدخل الصين بصورة مختلفة.

بكين ليست حليفًا عسكريًا للحكومة اليمنية ولا راعيًا للحوثيين، لكنها أكبر شريك تجاري لدول كثيرة في المنطقة، وتعتمد بقوة على استقرار طرق التجارة والطاقة. لذلك فإن تعطيل باب المندب يضع الصين أمام مفارقة: هي لا تريد الانخراط في حرب تقودها واشنطن، لكنها أيضًا لا تستطيع أن تكون مرتاحة لاضطراب طريق بحري تمر منه تجارة ضخمة متجهة بين آسيا وأوروبا. وهذا يجعل بكين، مثل القوى الأوروبية، مستفيدة من الاستقرار حتى لو لم تكن جزءًا مباشرًا من الحرب.

أما روسيا فتنظر إلى اليمن من زاوية أخرى. في مجلس الأمن يوم 13 أغسطس انتقدت الضربات التي طالت مطاري صنعاء والحديدة واعتبرت الرد السعودي مفرطًا، بينما دانت فرنسا بشكل مباشر الهجمات الحوثية. هذا الانقسام داخل مجلس الأمن مهم لأنه يكشف أن اليمن لم يعد فقط ملفًا إقليميًا؛ بل دخل أيضًا في الطريقة التي تقرأ بها القوى الكبرى الصراع الأمريكي الإيراني الأوسع.

لكن كل هذا الكلام عن إيران والسعودية وأمريكا والصين وروسيا يمكن أن يجعلنا ننسى الطرف الذي يدفع الثمن فعلًا.

اليمني.

بحسب خطة الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة لعام 2026، يحتاج أكثر من 22 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية وحماية، بينهم 5.2 ملايين نازح. ويعاني 18.3 مليون شخص من انعدام حاد في الأمن الغذائي، وأكثر من 2.2 مليون طفل دون الخامسة من سوء تغذية حاد، بينهم نحو 516 ألف طفل في حالة سوء تغذية حاد شديد. وفقط 59.3% من المرافق الصحية تعمل بصورة كاملة.

وهناك رقم آخر يكشف شيئًا عن طبيعة السلطة داخل مناطق الحوثيين: حتى يونيو 2026 بقي 73 موظفًا من الأمم المتحدة محتجزين تعسفيًا لدى سلطات الحوثيين، بحسب الأمين العام للأمم المتحدة، وتوفي موظف أممي أثناء الاحتجاز. وهذه الاعتقالات لم تعد ملف حقوق إنسان فقط؛ بل أصبحت تحد من قدرة المنظمات على العمل وإيصال المساعدات إلى الملايين.

وهنا نصل إلى المفارقة اليمنية الكبرى.

السعودية تريد ألا يعود الحوثيون إلى تهديد مدنها ومنشآتها النفطية.

إيران تريد الاحتفاظ بورقة تجعل خصومها يدفعون ثمن أي مواجهة معها.

واشنطن تريد أن تبقى السفن آمنة من دون أن تجد نفسها في حرب يمنية جديدة.

الإمارات تريد نفوذًا في الجنوب والساحل وممرات البحر.

عُمان تريد ألا تصل الفوضى إلى حدودها.

مصر تريد البحر الأحمر وقناة السويس مفتوحين.

والحوثيون يريدون تحويل القوة العسكرية التي بنوها منذ 2014 إلى سلطة سياسية لا يمكن تجاوزها.

أما الحكومة اليمنية، فهي تحاول إثبات أنها لا تزال دولة، لا مجرد اسم معترف به في الأمم المتحدة.

ولهذا فإن المواجهة الجديدة ليست فقط حول من يسيطر على مأرب أو المخا.

إنها حول من يملك حق تقرير شكل اليمن بعد الحرب، ومن يسيطر على البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ومن يستطيع استخدام اليمن كورقة في صراع إقليمي أكبر.

وهنا يصبح باب المندب بالنسبة لليمن ما أصبحت عليه دونباس بالنسبة لأوكرانيا.

ليس مجرد جغرافيا.

بل سعر استراتيجي.

الحوثي يفاوض بالصاروخ والمسيّرة والممر البحري.

الحكومة تفاوض بشرعيتها وما بقي لها من أرض وقوات.

السعودية تفاوض بأمن حدودها ونفطها.

إيران تفاوض بورقة الحوثيين.

واشنطن تفاوض بحرية الملاحة ومنع توسع الحرب.

وفي الخلفية، كل قوة تحاول ألا يدفع الآخرون ثمن مصالحها من حسابها هي.

لكن المشكلة أن هناك طرفًا يدفع الحساب أصلًا.

اليمنيون.

ولهذا، إذا انفجرت الجبهات من مأرب إلى المخا وحضرموت مرة أخرى، فلن تكون العودة إلى حرب يمنية قديمة فقط.

قد تكون بداية نسخة جديدة من الحرب نفسها، لكن هذه المرة مربوطًا بها البحر الأحمر، والنفط السعودي، والمواجهة الأمريكية الإيرانية، وأمن قناة السويس.

وهنا لا يعود السؤال من سيربح الجبهة التالية.

بل يصبح السؤال الأكبر:

هل يستطيع اليمن أن يوقف الحرب داخله قبل أن تتحول أرضه ومياهه إلى ساحة لتصفية حسابات العالم من حوله؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى