هل يخلق اجتماع مكة محور ردع جديد؟

واس رئيس التركي رجب طيب أردوغان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في مكة المكرمة بعد توقيع اتفاقية الدفاع المشترك

 

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

في خطوة قد تشكل واحدة من أبرز التحولات الأمنية في الشرق الأوسط وجنوب آسيا خلال السنوات الأخيرة، وقّع قادة المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في مكة اتفاقًا دفاعيًا ثلاثيًا، لم يُنظر إليه بوصفه مجرد إعلان عن تعاون عسكري جديد، بل باعتباره بداية مرحلة مختلفة في هندسة الأمن الإقليمي. فالوثيقة التي وقعها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف اليوم في مكة تنص على أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد اعتداءً على الجميع، مع توسيع مجالات التعاون في الردع المشترك، والتصنيع العسكري، والاستخبارات، والتدريب، والأمن السيبراني، وتطوير القدرات الدفاعية.

ولا يأتي هذا الاتفاق من فراغ، بل يمثل تتويجًا لمسار متدرج بدأ خلال الأعوام الأخيرة. فمنذ توقيع اتفاقية التعاون الدفاعي الاستراتيجي بين الرياض وإسلام آباد في سبتمبر/أيلول 2025، مرورًا بالتوسع الكبير في الشراكة الدفاعية السعودية التركية، خصوصًا في مجالات الطائرات المسيّرة والصناعات العسكرية، كانت المؤشرات تتجه نحو بناء إطار أمني أوسع يجمع القدرة المالية والاستثمارية السعودية، والتكنولوجيا الدفاعية التركية، والخبرة العسكرية والنووية الباكستانية. واليوم، انتقلت هذه العلاقات الثنائية إلى مستوى جديد من الشراكة المؤسسية، في ظل إدراك مشترك بأن التحديات الأمنية العابرة للحدود لم تعد تسمح لأي دولة بالاعتماد على قدراتها منفردة.

وتكشف الأرقام حجم الثقل الذي يحمله هذا الاتفاق. فبحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، يتجاوز الإنفاق الدفاعي السعودي 75 مليار دولار سنويًا، لتبقى المملكة ضمن أكبر خمسة منفقين عسكريًا في العالم. أما تركيا، فقد أصبحت وفق بيانات معهد SIPRI ووكالة الأناضول من بين أكبر عشرة مصدرين للأسلحة عالميًا، بعدما تجاوزت صادراتها الدفاعية 10 مليارات دولار خلال عام 2025، مدفوعة بالنجاح العالمي للطائرات المسيّرة وأنظمة الحرب الإلكترونية والمدرعات. وفي المقابل، تمتلك باكستان قوة بشرية عسكرية تتجاوز 650 ألف جندي في الخدمة الفعلية، إضافة إلى برنامج صاروخي متقدم، وهي الدولة الإسلامية الوحيدة المالكة للسلاح النووي، مع خبرة طويلة في الصناعات الجوية والعسكرية، لا سيما من خلال مجمع الصناعات الجوية الباكستانية ومشروع مقاتلة JF-17 Thunder.

ويمنح هذا التكامل الاتفاق بعدًا يتجاوز مفهوم الدفاع التقليدي. فالسعودية تمتلك التمويل والاستثمارات الضخمة التي تستهدف، ضمن رؤية 2030، توطين أكثر من 50% من الإنفاق العسكري داخل المملكة، بينما تمتلك تركيا قاعدة صناعية قادرة على إنتاج الطائرات المسيّرة، والأنظمة الإلكترونية، والسفن الحربية، والدبابات، في حين توفر باكستان الخبرة التشغيلية والعسكرية، إلى جانب إمكاناتها في مجالات الصواريخ والطيران. ولذلك يرى خبراء في الأمن الإقليمي أن الاتفاق قد يتحول إلى منصة لتطوير صناعات دفاعية مشتركة، بدل أن يقتصر على شراء السلاح أو إجراء المناورات العسكرية.

وسياسيًا، يعكس الاتفاق تغيرًا في مفهوم الأمن الجماعي لدى الدول الثلاث. فقد نقلت وسائل إعلام دولية وإقليمية أن العواصم الثلاث تؤكد أن الاتفاق ذو طبيعة دفاعية، ولا يستهدف إنشاء حلف عسكري على غرار الأحلاف التقليدية أو استبدال الشراكات القائمة مع القوى الدولية، وإنما يهدف إلى تعزيز الردع والاستجابة المشتركة للتهديدات المتزايدة. غير أن محللين في مراكز أبحاث، بينها المجلس الأطلسي (Atlantic Council) وتشاتام هاوس، يرون أن توقيت الاتفاق، في ظل استمرار التوترات الممتدة من الخليج والبحر الأحمر إلى جنوب آسيا، يمنحه أهمية جيوسياسية تتجاوز نصوصه، لأنه يعكس ميلًا متزايدًا نحو بناء ترتيبات أمنية إقليمية تقودها دول المنطقة نفسها.

اقتصاديًا، تبدو المكاسب المحتملة واسعة. فالصناعات الدفاعية أصبحت اليوم جزءًا من الاقتصاد المعرفي، إذ تشمل الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والفضاء، والاتصالات، والبحث العلمي، وسلاسل الإمداد الصناعية. وتشير تقارير مجلة Defense News ومؤسسة RAND إلى أن الشراكات الدفاعية الحديثة أصبحت تركز على نقل التكنولوجيا وتوطين الإنتاج أكثر من مجرد صفقات التسليح. وفي هذا السياق، قد يفتح الاتفاق الباب أمام استثمارات مشتركة بمليارات الدولارات في مجالات تصنيع الطائرات المسيّرة، والأنظمة الصاروخية، والإلكترونيات الدفاعية، وتدريب الكفاءات الوطنية، وهو ما ينسجم مع أهداف السعودية في بناء قاعدة صناعية دفاعية متقدمة.

وقد أثار الاتفاق اهتمامًا واسعًا في الأوساط الدولية والإقليمية. فقد أوردت وسائل إعلام غربية وآسيوية أن العديد من العواصم تنظر إلى الاتفاق باعتباره مؤشرًا على إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، بينما رأى باحثون في الشؤون الاستراتيجية أن أهميته لا تكمن في عدد الدول المنضمة إليه، بل في نوعية القدرات التي يجمعها. فالدول الثلاث تمثل مزيجًا من الثقل الاقتصادي، والقاعدة الصناعية، والقدرات العسكرية، والموقع الجغرافي الممتد من الخليج العربي إلى شرق المتوسط وجنوب آسيا، وهو ما يمنحه بعدًا استراتيجيًا يتجاوز حدوده الجغرافية المباشرة.

ولهذا، ربما لم يعد السؤال الحقيقي اليوم: كم دولة وقعت الاتفاق؟

بل:

هل يشكل اتفاق مكة بداية انتقال المنطقة من التحالفات الثنائية المؤقتة إلى منظومات ردع جماعية أكثر تكاملًا واستقلالًا؟

فإذا نجحت الرياض وأنقرة وإسلام آباد في تحويل هذه الوثيقة إلى تعاون عملياتي وصناعي واستخباراتي طويل الأمد، فقد لا يُذكر هذا الاتفاق مستقبلًا باعتباره مجرد معاهدة دفاع، بل باعتباره إحدى اللحظات التي أعادت رسم معادلات الأمن الإقليمي، ورسخت نموذجًا جديدًا للتعاون بين القوى الإسلامية الصاعدة في القرن الحادي والعشرين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى