تجربة المملكة العربية السعودية في المنتدى السياسي رفيع المستوى للتنمية المستدامة في أروقة الأمم المتحدة 2026.

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
في كل شهر يوليو، تتحول قاعات الأمم المتحدة في نيويورك إلى نقطة التقاء الحكومات والمؤسسات الدولية لمراجعة ما أُنجز من أهداف التنمية المستدامة، وما تعثر منها، والبحث عن مسارات جديدة قبل الوصول إلى عام 2030. غير أن المنتدى السياسي رفيع المستوى هذا العام جاء في لحظة تختلف عن الدورات السابقة؛ إذ ينعقد وسط تباطؤ عالمي في تنفيذ أهداف التنمية، وتصاعد الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية، وتزايد التساؤلات داخل الأمم المتحدة حول قدرة الدول على الوفاء بالتزاماتها خلال السنوات المتبقية من الأجندة الأممية.
ضمن هذا المشهد، تشارك المملكة العربية السعودية بوفد رفيع المستوى يرأسه وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، ويضم مسؤولين من وزارات وهيئات وطنية عدة، حاملاً تجربة لا تكتفي بعرض ما تحقق من مؤشرات، بل تركز على الكيفية التي أُدير بها التحول، وكيف تحولت رؤية المملكة 2030 إلى إطار مؤسسي يربط التخطيط بالتنفيذ، والسياسات بقياس الأثر، والأهداف الوطنية بأهداف التنمية المستدامة.
وعلى امتداد أسبوعين من الجلسات الرسمية والفعاليات الجانبية، تتنقل المشاركة السعودية بين ملفات المياه، والطاقة، والصناعة والابتكار، والتعليم، والمدن المستدامة، والحوكمة، والتنمية المحلية، في سردية واحدة تربط هذه القطاعات بمنهج موحد يقوم على تحديد الأولويات، وتعزيز كفاءة التنفيذ، ورفع جودة الأداء المؤسسي، باعتبار أن التنمية لم تعد تقاس بعدد المبادرات، بل بقدرتها على إحداث أثر مستدام يمكن قياسه.
ومنذ الجلسة الافتتاحية، تتجه الرسالة السعودية إلى نقطة تكاد تتكرر في معظم المداخلات؛ فالعالم لا يعاني نقصاً في الرؤى أو الخطط، بقدر ما يواجه تحدياً في تحويلها إلى نتائج ملموسة. ومن هنا، يؤكد رئيس الوفد السعودي أن التحولات الكبرى تبدأ بقرارات استراتيجية واضحة، وبإدارة تعتمد على البيانات، وبمؤسسات قادرة على التكيف مع المتغيرات، وهو المسار الذي تقول المملكة إنها اختارته منذ إطلاق رؤية 2030.
ومن هذه الفكرة، تتفرع بقية محاور المشاركة. ففي مراجعة الهدف السادس، تعرض المملكة تحول قطاع المياه من إدارة تقليدية للموارد إلى منظومة ترتكز على الاستدامة، والابتكار، وتعزيز الأمن المائي، ورفع كفاءة الإنتاج والنقل والتوزيع وإعادة الاستخدام، مع التأكيد أن قضايا المياه أصبحت تتجاوز الحدود الوطنية، وأن التعاون الدولي بات جزءاً من معادلة الأمن المائي العالمي.
وفي الهدف التاسع، تنتقل التجربة إلى التعليم والصناعة والابتكار، حيث تطرح وزارة التعليم الاستثمار في رأس المال البشري بوصفه البنية التحتية الحقيقية للاقتصاد المعرفي. وتربط بين تطوير الجامعات، ودعم البحث العلمي، وتوطين المعرفة، وتطبيق معايير الحوكمة والاستدامة، باعتبارها أدوات لبناء اقتصاد أكثر قدرة على المنافسة في بيئة عالمية سريعة التغير.
أما في الهدف الحادي عشر، فتقدم وزارة البلديات والإسكان وهيئة تطوير منطقة المدينة المنورة نموذجاً لتوطين أهداف التنمية المستدامة داخل المدن. ولا يقتصر الطرح على مشروعات الإسكان أو تحسين المشهد الحضري، بل يمتد إلى بناء منظومة متكاملة تجمع التخطيط، والنقل، والبيئة، وجودة الحياة، والحوكمة، في إطار واحد يجعل المدينة وحدة تنفيذية لأهداف التنمية، لا مجرد مساحة عمرانية.
ويبلغ هذا المسار ذروته مع تقديم التقرير الوطني الطوعي الثالث، الذي يمثل خلاصة عشر سنوات من التحول المؤسسي. فالتقرير، الذي شاركت في إعداده أكثر من 140 جهة حكومية وخاصة وأكاديمية ومجتمعية، لا يكتفي برصد الأرقام، بل يشرح المنهج الذي قاد إليها؛ من تحديد الأولويات، إلى رفع كفاءة التنفيذ، وقياس الأثر، وبناء شراكات بين مختلف القطاعات.
وتظهر نتائج هذا المنهج في مؤشرات متعددة؛ إذ تجاوز الاقتصاد السعودي حاجز التريليون دولار، وأصبح النشاط غير النفطي المحرك الرئيس للنمو، فيما تضاعفت مشاركة المرأة في سوق العمل، وتوسعت التغطية الصحية، وتراجعت وفيات الأمراض غير السارية، واستمرت مبادرات التشجير والطاقة النظيفة، في مسار ترى المملكة أنه يعكس انتقال التنمية من مرحلة الإنجاز القطاعي إلى التكامل بين القطاعات.
ولذلك، لم يقتصر الحضور السعودي على عرض تجربة وطنية، بل حمل دعوة مفتوحة إلى إعادة التفكير في كيفية تنفيذ أهداف التنمية المستدامة عالمياً. ففي الفعالية الجانبية التي نظمتها وزارة الاقتصاد والتخطيط بعنوان “إعادة التفكير في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة من خلال تحديد الأولويات ومنهجيات التنفيذ”، دعت المملكة إلى توجيه الموارد نحو الأولويات الأكثر أثراً، وإلى توسيع نطاق الشراكات الدولية، وتبادل الخبرات، والاستفادة من التجارب الناجحة، باعتبار أن السنوات المتبقية حتى عام 2030 تتطلب تسريع التنفيذ أكثر من إنتاج خطط جديدة.
وبين الجلسات الرسمية، واللقاءات الثنائية، والمعرض المصاحب، والفعاليات المتخصصة، تتشكل صورة متكاملة لمشاركة تسعى إلى نقل تجربة وطنية إلى مساحة دولية، ليس بهدف تقديم نموذج مغلق، وإنما لفتح نقاش حول كيفية تحويل الطموحات التنموية إلى نتائج قابلة للقياس، في وقت يزداد فيه اقتناع المجتمع الدولي بأن التحدي الحقيقي لم يعد في صياغة الأهداف، بل في القدرة على تنفيذها بكفاءة واستدامة.




