عامًا من المجد والنجاح… لأعظم قوة في العصر الحديث؟

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
بعد 250 عامًا على إعلان استقلالها، تحتفل الولايات المتحدة الأمريكية بعيد ميلادها وهي تقف على قمة العالم في الاقتصاد، والعلوم، والتكنولوجيا، والابتكار، والفضاء، والطب، والتعليم، والصناعة، والدفاع، والإعلام، والثقافة، والرياضة. فمنذ الرابع من يوليو/تموز 1776 وحتى اليوم، لم تعد الولايات المتحدة مجرد دولة تحتفل بذكرى استقلالها، بل أصبحت نموذجًا لدولة استطاعت خلال قرنين ونصف أن تبني واحدة من أكثر التجارب تأثيرًا في التاريخ الحديث، وأن تقود العالم في مجالات يصعب حصرها.
لكن هذه المكانة لم تولد مع إعلان الاستقلال، ولم تكن هدية من الجغرافيا أو التاريخ. فقد سبقتها سنوات من الاحتلال البريطاني، والمقاومة، والتضحيات، والحرب التي خاضها الآباء المؤسسون دفاعًا عن حق المستعمرات الثلاث عشرة في تقرير مصيرها. ومن بين رماد تلك الحرب وُلدت دولة جديدة آمنت بأن الحرية، وسيادة القانون، وبناء المؤسسات، والاستثمار في الإنسان، هي الطريق الحقيقي نحو القوة.
وخلال 250 عامًا، تحولت تلك الدولة الفتية إلى أكبر اقتصاد في العالم بإجمالي ناتج محلي يتجاوز 30 تريليون دولار وفق صندوق النقد الدولي، وتستضيف أكبر سوق مالية على وجه الأرض في وول ستريت، كما تضم أكثر من نصف الشركات الأعلى قيمة عالميًا، مثل Apple وMicrosoft وNVIDIA وAmazon وAlphabet (Google) وMeta، التي تقود الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والاقتصاد الرقمي.
وفي العلم والابتكار، أصبحت الولايات المتحدة موطنًا لأرقى الجامعات ومراكز الأبحاث في العالم، مثل هارفارد، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، وستانفورد، وكالتيك، وهي مؤسسات خرجت آلاف العلماء والحائزين على جائزة نوبل، وأسهمت في ابتكار الإنترنت، والهواتف الذكية، والرقائق الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية، والطب الحديث. كما تشير بيانات المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) إلى أن الولايات المتحدة ما تزال من أكبر الدول تسجيلًا لبراءات الاختراع سنويًا.
أما في الفضاء، فقد قادت الولايات المتحدة واحدة من أعظم الإنجازات البشرية عندما أوصلت الإنسان إلى سطح القمر عام 1969، وما زالت وكالة ناسا تقود برامج استكشاف الفضاء بالتعاون مع شركات أمريكية رائدة مثل SpaceX وBlue Origin، التي أعادت رسم مستقبل الرحلات الفضائية والصناعة الفضائية التجارية.
وفي الطب والعلوم الصحية، تقود الولايات المتحدة جانبًا كبيرًا من الابتكار العالمي، إذ خرجت من مختبراتها وجامعاتها وشركاتها الدوائية آلاف الاكتشافات والعلاجات واللقاحات التي غيرت حياة ملايين البشر، كما تضم أكبر مراكز الأبحاث الطبية والمستشفيات الجامعية على مستوى العالم.
وعسكريًا، تمتلك الولايات المتحدة أكبر ميزانية دفاعية في العالم، وأحدث التقنيات العسكرية، وأوسع شبكة تحالفات الدولية، وأسطولًا بحريًا وجويًا يعد الأكثر تطورًا، إلى جانب ريادتها في مجالات الأمن السيبراني، والأقمار الصناعية، والدفاع الصاروخي، والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة.
ولم يقتصر تأثير الولايات المتحدة على القوة الصلبة فقط، بل امتد إلى القوة الناعمة أيضًا. فمن هوليوود إلى وادي السيليكون، ومن موسيقى الجاز والروك والهيب هوب إلى الرياضة العالمية، ومن الجامعات إلى وسائل الإعلام، ومن الشركات الناشئة إلى المنصات الرقمية، أصبحت الثقافة الأمريكية جزءًا من الحياة اليومية لمليارات البشر، وأحد أكثر عناصر النفوذ تأثيرًا في القرن الحادي والعشرين.
كما لعبت الولايات المتحدة دورًا محوريًا في تأسيس النظام الدولي الحديث بعد الحرب العالمية الثانية، فساهمت في إنشاء الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وأسهمت في إعادة إعمار أوروبا واليابان، وفي قيادة الاقتصاد العالمي لعقود طويلة.
ولعل أكثر ما يميز التجربة الأمريكية أنها لم تكتفِ بتحقيق النجاح، بل جعلت الابتكار أسلوب حياة. فهناك، تتحول الأفكار الصغيرة إلى شركات عملاقة، وتصبح الجامعات مصانع للعقول، وتتحول الأبحاث إلى صناعات، والصناعات إلى ثروات، والثروات إلى استثمارات جديدة تعيد إنتاج دورة النجاح مرة بعد أخرى.
لهذا، فإن الاحتفال بالذكرى 250 للاستقلال ليس مجرد احتفال بتاريخ أمة، بل احتفاء برحلة إنسانية أثبتت أن الدول لا تُبنى بالموارد وحدها، بل بالرؤية، والعلم، والعمل، والإيمان بقدرة الإنسان على تجاوز المستحيل.
وبين إعلان الاستقلال عام 1776 واحتفالات اليوم، كتبت الولايات المتحدة قصة تمتد لقرنين ونصف، قصة دولة بدأت تبحث عن حريتها، فأصبحت واحدة من أكثر الدول تأثيرًا في تشكيل العالم الحديث… وما زالت فصولها تُكتب حتى اليوم.




