هل بدأ اليمن يدخل مرحلة ما بعد الحوثي أم مرحلة إعادة التوازن؟

 

نيويورك – رشادالخضر

بينما ينشغل العالم بإعادة ترتيب خرائط النفوذ في الشرق الأوسط بعد المواجهة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، يبدو اليمن وكأنه عاد بهدوء إلى قلب الحسابات الدولية، ليس باعتباره أزمة إنسانية فقط، بل بوصفه عقدة تربط أمن الخليج، والملاحة الدولية، ومجلس الأمن، والسياسة الأمريكية في المنطقة.

وخلال الأيام الأخيرة، أوردت الأمم المتحدة في جلسة مجلس الأمن الخاصة باليمن أن هناك “فرصة جديدة” ينبغي استثمارها بعد التهدئة الإقليمية، داعية الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا وجماعة الحوثي إلى البناء على الزخم الذي أعقب التفاهم الأمريكي الإيراني والإفراج عن أكثر من 1600 محتجز خلال العامين الماضيين، تمهيدًا لاستئناف عملية سياسية شاملة. كما شدد المبعوث الأممي هانس غروندبرغ على أن الهدوء الحالي لا يزال هشًا، وأن أي تصعيد جديد قد يعيد البلاد إلى مربع الحرب.
لكن الهدوء السياسي لم ينعكس ميدانيًا. فقد نقلت الولايات المتحدة خلال جلسة مجلس الأمن الأخيرة أن الحوثيين استأنفوا هجماتهم على السفن التجارية في البحر الأحمر، وأغرقت إحدى الهجمات سفينة شحن وتسببت في سقوط قتلى وإصابات بين البحارة، إلى جانب استمرار إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل، الأمر الذي اعتبرته واشنطن تهديدًا مباشرًا لحرية الملاحة ولأمن الخليج، مطالبة مجلس الأمن بتشديد تنفيذ العقوبات ومنع وصول التكنولوجيا العسكرية إلى الجماعة.
وتكشف هذه التطورات عن تغير أوسع في النظرة الأمريكية. فبحسب ما أوردته تقارير الأمم المتحدة ومداولات مجلس الأمن، لم يعد الحوثيون يُنظر إليهم باعتبارهم طرفًا في حرب أهلية يمنية فقط، بل كجزء من منظومة أمنية إقليمية تمتد من البحر الأحمر إلى الخليج وشرق المتوسط، خاصة بعد انخراطهم في الهجمات المرتبطة بالحرب بين إيران وإسرائيل. ولهذا حذر هانس غروندبرغ من أن جر اليمن إلى صراعات المنطقة سيقوض أي فرصة لسلام يقوده اليمنيون أنفسهم.
وفي المقابل، تبدو الحكومة اليمنية الشرعية أمام فرصة واختبار في آن واحد. فقد ذكرت تقارير غربية ودولية أن العواصم الخليجية، وعلى رأسها السعودية والإمارات، تنظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها فرصة لإحياء العملية السياسية، ولكن مع الحفاظ على أمن الحدود والممرات البحرية، ومنع عودة اليمن إلى منصة تهدد أمن الخليج أو التجارة العالمية. كما أن دول مجلس التعاون ترى أن استقرار اليمن أصبح جزءًا من منظومة الأمن الاقتصادي الإقليمي، خاصة مع استمرار اضطراب حركة الشحن عبر البحر الأحمر وباب المندب.
ولعل اللافت أن مجلس الأمن لم يعد يناقش اليمن بمعزل عن الاقتصاد العالمي. فقد أشارت تقارير أممية إلى أن الهجمات على السفن التجارية لا تهدد اليمن وحده، بل أحد أهم الممرات البحرية التي تمر عبرها نسبة معتبرة من التجارة العالمية، وهو ما يرفع كلفة النقل والتأمين ويؤثر في سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة، ويجعل أمن البحر الأحمر قضية تتجاوز حدود المنطقة.
وفي واشنطن أيضًا تغيرت اللغة السياسية. فبعد سنوات من التركيز على البعد الإنساني، أصبح الخطاب الأمريكي يربط الملف اليمني مباشرة بالأمن القومي الأمريكي، وبمواجهة النفوذ الإيراني، وبحماية التجارة الدولية. ويظهر ذلك في مطالبة الولايات المتحدة مجلس الأمن بمواصلة مراقبة الهجمات الحوثية وحرمان الجماعة من مصادر التمويل والتكنولوجيا العسكرية، بالتوازي مع دعم جهود الأمم المتحدة لإحياء العملية السياسية.
أما الأمم المتحدة، فتبدو وكأنها تحاول استثمار اللحظة قبل ضياعها. فقد أوردت بياناتها الأخيرة أن استمرار الهدوء النسبي بعد التفاهمات الإقليمية قد يفتح نافذة نادرة للحوار، لكنها حذرت في الوقت نفسه من أن استمرار احتجاز موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، وتراجع التمويل الدولي، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، كلها عوامل قد تعيد الأزمة الإنسانية إلى الواجهة إذا تعثرت العملية السياسية.
وهنا تتقاطع مصالح جميع الأطراف، وإن اختلفت دوافعها. فالولايات المتحدة تريد حماية الملاحة وردع إيران، والسعودية تبحث عن حدود مستقرة وإنهاء استنزاف دام سنوات، والإمارات تركز على أمن الموانئ وخطوط التجارة، فيما تسعى الأمم المتحدة إلى تحويل التهدئة العسكرية إلى تسوية سياسية. أما الحوثيون، فيحاولون الحفاظ على أوراق القوة التي اكتسبوها خلال السنوات الماضية، بينما ترى الحكومة اليمنية أن أي تسوية يجب أن تعيد مؤسسات الدولة ووحدتها.
ولهذا، ربما لم يعد السؤال الحقيقي اليوم هل ستتوقف الحرب في اليمن؟ بل هل يستطيع المجتمع الدولي تحويل التفاهمات التي أعقبت الحرب الإقليمية إلى تسوية دائمة، أم أن اليمن سيظل الورقة التي تُستخدم كلما أعيد رسم ميزان القوى في الشرق الأوسط؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى