بيكين بين ترامب وبوتين: هل يشهد العالم صراع أقطاب؟

صورة بالذكاء الاصطناعي

 

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

بيكين بين ترامب وبوتين: هل يشهد العالم صراع أقطاب؟ لم تكن زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين، ثم زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعدها بأيام، مجرد لقاءات سياسية عادية، بل بدت وكأنها انعكاس مباشر لتحول كبير في شكل النظام العالمي. فالصين التي كانت قبل عقود مجرد قوة اقتصادية صاعدة أصبحت اليوم مركز التوازن الدولي الجديد، بينما تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على موقعها كقوة تقود العالم منفردة، في وقت تسعى فيه موسكو وبكين إلى كسر هذا الاحتكار وفرض نظام متعدد الأقطاب. وفي الحقيقة، فإن القمتين، الأمريكية الصينية ثم الروسية الصينية، كشفتا بوضوح أن العالم دخل مرحلة صراع مفتوح على القيادة الدولية؛ اقتصاديًا وماليًا وعسكريًا وحتى سياسيا.

من انهيار الاتحاد السوفيتي إلى “اللحظة الأمريكية”

حين انهار الاتحاد السوفيتي في 26 ديسمبر/كانون الأول 1991، أصبحت الولايات المتحدة القوة الوحيدة المهيمنة عالميًا. ففي التسعينيات: كانت واشنطن تسيطر على نحو 25% من الاقتصاد العالمي، بينما كان الدولار يمثل أكثر من 70% من الاحتياطيات النقدية العالمية، كما امتلكت أكبر شبكة قواعد وتحالفات عسكرية في العالم. ومن هنا ترسخت فكرة أن القرن الحادي والعشرين سيكون “قرنًا أمريكيًا”، خصوصًا بعد: حرب الخليج 1991، غزو أفغانستان 2001، وغزو العراق 2003. لكن، وبينما كانت واشنطن تخوض حروبها الكبرى، كانت الصين تبني قوتها بهدوء.

الصين: من “مصنع العالم” إلى منافس أمريكا

التحول الأهم بدأ مع انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في 11 ديسمبر/كانون الأول 2001. ومنذ ذلك التاريخ: ارتفع الاقتصاد الصيني من 1.3 تريليون دولار إلى أكثر من 18.5 تريليون دولار في 2025، وأصبحت الصين أكبر شريك تجاري لأكثر من 120 دولة، كما تجاوزت صادراتها السنوية 3.4 تريليونات دولار. لكن التحدي الحقيقي بالنسبة لواشنطن لم يكن اقتصاديًا فقط، بل استراتيجيًا أيضًا. فالصين بدأت تنافس الولايات المتحدة في: الذكاء الاصطناعي، أشباه الموصلات، التكنولوجيا العسكرية، والطاقة المتقدمة. ولهذا تحولت العلاقة بين البلدين من شراكة اقتصادية إلى صراع على قيادة العالم.

ترامب والحرب الاقتصادية ضد بكين

مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2017، دخلت العلاقة الأمريكية الصينية مرحلة المواجهة المباشرة. وفي مارس/آذار 2018: فرضت واشنطن رسوما جمركية على بضائع صينية تجاوزت 370 مليار دولار، بينما ردت الصين برسوم مضادة على منتجات أمريكية بأكثر من 110 مليارات دولار. لكن المعركة كانت أعمق من التجارة. فالولايات المتحدة كانت تخشى مشروع “صنع في الصين 2025”، الذي أطلقه شي جين بينغ لتحويل الصين إلى القوة الأولى عالميًا في التكنولوجيا والصناعات المتقدمة. ولهذا فرضت واشنطن: عقوبات على شركات صينية، قيودًا على الرقائق الإلكترونية، وحصارًا تقنيًا على شركات مثل “هواوي”.

تايوان: أخطر نقطة صدام

لكن الملف الأخطر بقي تايوان. فبالنسبة للصين، الجزيرة قضية سيادة وطنية منذ عام 1949. أما بالنسبة لأمريكا، فهي: خط الدفاع الأول في آسيا، ومركز عالمي لصناعة الرقائق الإلكترونية. ومنذ زيارة نانسي بيلوسي إلى تايوان في أغسطس/آب 2022: كثفت الصين مناوراتها العسكرية حول الجزيرة، بينما رفعت واشنطن مبيعات السلاح لتايوان إلى أكثر من 19 مليار دولار.

ولهذا بدأت مراكز الدراسات الغربية تتحدث عن احتمال مواجهة أمريكية صينية خلال العقد المقبل.

الحرب الأوكرانية وتغيير موازين العالم

ثم جاءت الحرب الأوكرانية في 24 فبراير/شباط 2022 لتعيد تشكيل المشهد الدولي. فالولايات المتحدة رأت في الحرب فرصة لاستنزاف روسيا، بينما رأت الصين فيها إنذارًا لما قد تواجهه مستقبلا مع الغرب. أما موسكو، فوجدت نفسها مضطرة للتحول شرقًا بسرعة غير مسبوقة. وخلال سنوات قليلة: ارتفع حجم التجارة بين روسيا والصين من 107 مليارات دولار عام 2020 إلى أكثر من 245 مليار دولار في 2024، وأصبحت الصين أكبر مشترٍ للنفط الروسي، كما ارتفعت صادرات الغاز الروسي إلى الصين بنسبة تجاوزت 60%. بل إن جزءًا متزايدًا من التجارة بين البلدين بدأ يتم باليوان والروبل بدل الدولار.

الدولار: سلاح أمريكا الأقوى

فالولايات المتحدة لا تحافظ على ريادتها فقط عبر القوة العسكرية، بل عبر النظام المالي العالمي. فحتى نهاية 2025: كان الدولار يمثل نحو 57% من الاحتياطات النقدية العالمية، ويُستخدم في نحو 88% من المعاملات التجارية الدولية، بينما يتم تسعير أكثر من 80% من تجارة النفط بالدولار. وهذا يمنح واشنطن قدرة هائلة على: فرض العقوبات، عزل الدول ماليًا، والتحكم بالنظام الاقتصادي العالمي. لكن روسيا والصين بدأتا منذ حرب أوكرانيا بالعمل على تقليل الاعتماد على الدولار عبر: التبادل بالعملات المحلية، أنظمة دفع بديلة، وتعزيز دور مجموعة “بريكس”.

إيران: اختبار الشرق الأوسط

وفي الوقت نفسه، تحولت إيران إلى ملف مركزي في الصراع الدولي. فالولايات المتحدة ترى أن: البرنامج النووي الإيراني تهديد استراتيجي، والنفوذ الإيراني الإقليمي يهدد حلفاء واشنطن. أما الصين وروسيا، فتعتبران إيران: شريكًا استراتيجيًا، ومصدر طاقة مهمًا، وعقدة رئيسية في مشروع “الحزام والطريق”. ولهذا تحدثت تقارير غربية في ربيع 2026 عن ضغوط صينية روسية على ترامب لتجنب أي مواجهة عسكرية مع إيران، خوفًا من: إغلاق مضيق هرمز، وارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 150 دولارًا للبرميل، ودخول الاقتصاد العالمي في أزمة كبرى.

أوروبا: الحليف الأمريكي الذي يدفع الثمن

الحرب الأوكرانية كشفت أيضًا هشاشة الوضع الأوروبي. فبعد العقوبات على روسيا: ارتفعت أسعار الطاقة الأوروبية بشكل غير مسبوق، ووصل التضخم إلى أعلى مستوياته منذ الثمانينيات، بينما تراجعت القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية. وفي المقابل، أصبحت أوروبا تعتمد أكثر على الغاز الأمريكي مرتفع الكلفة.ولهذا بدأت تظهر داخل أوروبا أصوات تطالب بإعادة التوازن في العلاقة مع: روسيا، والصين، بدل الانخراط الكامل في الاستراتيجية الأمريكية.

هل انتهى عصر القطب الواحد؟

السؤال اليوم ليس: هل ما تزال أمريكا القوة الأولى؟ لأنها ما تزال: الأقوى عسكريًا، والأكثر تأثيرًا ماليًا، والأكثر تطورًا تكنولوجيًا. لكن السؤال الحقيقي أصبح: هل تستطيع الولايات المتحدة الاستمرار في قيادة العالم وحدها؟ فالواقع يقول إن: الصين تصعد بسرعة، وروسيا ترفض التراجع، والهند تتمدد اقتصاديًا، ومجموعة “بريكس” تتحول تدريجيًا إلى قوة مؤثرة. ولهذا بدت القمم التي جمعت ترامب وشي ثم شي وبوتين وكأنها إعلان غير مباشر بأن العالم دخل مرحلة إعادة توزيع القوة العالمية. مرحلة قد لا تنتهي بحرب عالمية شاملة، لكنها بالتأكيد لن تعود إلى زمن الهيمنة الأمريكية المطلقة الذي بدأ بعد سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991. وفي قلب هذه التحولات، تقف بكين اليوم لا كعاصمة للصين فقط… بل كعاصمة لمعركة القرن على قيادة العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى