امل خضر تكتب جيل يُدفن حيًّا كيف نقتل مستقبل الأردن بأيدينا؟

 

✍️امل خضر

 

في الأردن، لم تعد أزمة الشباب أزمة بطالة فقط بل تحولت إلى نزيف صامت لمستقبل بلد كامل. ما يحدث اليوم ليس تعثرًا عابرًا، بل انهيار تدريجي لفكرة أن هذا الوطن قادر على احتواء أبنائه. نحن لا نخسر فرص عمل نحن نخسر جيلاً كاملاً وهو لا يزال على قيد الحياة.
الشاب الأردني لم يعد غاضبًا فقط بل مُستنزف. استُهلكت طاقته في الانتظار، وتآكلت روحه في محاولات لم تكتمل. سنوات من التعليم، من الوعود، من الشعارات، انتهت إلى حقيقة قاسية لا مكان واضح له هنا. لا وظيفة، لا مسار، لا أفق. فقط دائرة مغلقة من “انتظر دورك” ودوره لا يأتي.
الواقع أشد قسوة مما يُقال. هناك شباب لم يعملوا يومًا منذ تخرجهم. آخرون يعملون في وظائف لا تمتّ لتخصصهم بصلة، برواتب لا تكفي أسبوعًا، بلا استقرار، بلا ضمان، بلا كرامة. ومع كل يوم يمر، يتآكل شيء عميق في الداخل شيء اسمه الأمل.
لكن الأخطر ليس الفقر بل الإحساس بالخذلان. حين يرى الشاب أن الطريق ليس مفتوحًا للجميع، وأن الفرص تُوزّع وفق الواسطة لا الكفاءة، يدرك أن اللعبة غير عادلة من الأساس. وهنا، لا يعود السؤال كيف أنجح؟ بل لماذا أحاول أصلًا؟
الهجرة لم تعد حلم رفاهية بل أصبحت خطة إنقاذ. آلاف العقول تفكر يوميًا كيف أخرج؟ ليس هروبًا من الوطن، بل هروبًا من واقعٍ لا يمنحهم فرصة للحياة. والأسوأ، أن من ينجح في المغادرة غالبًا لا يعود. وهكذا، نخسر الأفضل ونبقي على الإحباط.
التعليم، الذي كان يُفترض أن يكون السلاح الأقوى، أصبح في كثير من الأحيان خدعة مؤجلة. جامعات تُخرّج أعدادًا أكبر من قدرة السوق، تخصصات لا قيمة فعلية لها، ومهارات لا يطلبها أحد. النتيجة؟ شهادات بلا وزن، وشباب بلا أدوات حقيقية للمنافسة.
أما الأثر الاجتماعي، فهو القنبلة التي نؤجل انفجارها. شباب غير قادرين على الزواج، على بناء حياة، على الشعور بالاستقرار. علاقات تتفكك، ضغوط نفسية تتضاعف، شعور عام بأن الحياة “معلقة”. ومع الوقت، يتحول هذا الإحباط إلى أحد احتمالين غضب صامت أو انسحاب كامل من المجتمع.
الأخطر من كل ذلك، هو تآكل الانتماء. حين يشعر الشاب أن هذا البلد لا يراه، لا يسمعه، ولا يمنحه فرصة، يبدأ بالتخلي عنه داخليًا لو بقي جسديًا فيه. وهنا الخسارة الحقيقية حين نخسر الإيمان قبل أن نخسر الإنسان.
ما يحدث اليوم ليس قدرًا بل نتيجة. نتيجة سياسات مؤجلة، قرارات غير مكتملة، وواقع لم يُواجه بصدق. الاستمرار في التجميل لم يعد ينفع. لأن الجرح أصبح أعمق من أن يُخفى.
السؤال الآن ليس هل هناك أزمة؟
السؤال الحقيقي كم سنخسر بعد قبل أن نتحرك؟
لأن الحقيقة التي لا نريد قولها بصوت عالٍ هي
إذا استمر هذا المسار فلن نكون أمام “شباب بلا أفق” فقط،
بل أمام وطنٍ بلا مستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى