اقتصاد عالمي يترنح بين هدنة هشة وطبول حرب تدق من جديد : من مضيق هرمز إلى أزمة الكبريت تلوح بوادر صراع ممرات عالمية

 

✍️ نيويورك – رشادالخضر

 

في لحظة تبدو فيها الأسواق وكأنها التقطت أنفاسها بعد موجة توتر حادة، تأتي الهدنة الحالية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل كاستراحة مؤقتة أكثر منها نهاية للأزمة. فالمشهد لا يزال مشحونًا، والرسائل العسكرية والسياسية المتبادلة توحي بأن التهدئة ليست مستقرة بما يكفي لبناء ثقة اقتصادية طويلة الأمد. هذه “الهدنة الضبابية” لا تعني عودة الأمور إلى طبيعتها، بل تخلق بيئة يعيش فيها الاقتصاد العالمي على حافة الاحتمالات، حيث يكفي حادث واحد لإعادة إشعال الأسواق.

في قلب هذا المشهد يقف مضيق هرمز، الذي بات اليوم أكثر هشاشة وأقل قابلية للتنقل، ليس فقط كممر مائي بل كأداة ضغط جيوسياسي. التصعيد الأخير، بما في ذلك إطلاق طلقات تحذيرية على سفن تجارية واستهداف ناقلات أوروبية، يعكس أن الممر لم يعد آمنًا حتى في ظل وقف إطلاق النار. وبين حرب التصريحات بين واشنطن وطهران، وتصاعد القلق الدولي من خرق الهدنة، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل السياسة بالأمن البحري، وتنعكس مباشرة على الاقتصاد.

لكن التأثير لم يعد محصورًا في النفط وحده، بل بدأ يتسلل إلى سلاسل إمداد أقل ظهورًا وأكثر حساسية، وفي مقدمتها الكبريت. هذه المادة الكيميائية، التي تدخل في صناعات حيوية من الأسمدة إلى الأدوية، أصبحت عنوانًا لأزمة صامتة تتشكل في ظل الحرب. فمع تضييق الخناق على الملاحة في مضيق هرمز، وكون الشرق الأوسط يمثل نحو نصف صادرات الكبريت عالميًا، بدأت الأسواق تشهد اختناقات حادة وارتفاعات قياسية في الأسعار. ولم تقف التداعيات عند هذا الحد، إذ دفعت المخاوف دولًا مثل تركيا إلى حظر صادراتها، بينما تدرس الهند خطوات مماثلة، في حين تستعد الصين – أكبر مستورد عالمي – لتقييد صادرات حمض الكبريتيك، ما يهدد باضطرابات أوسع في التعدين والزراعة وسلاسل الغذاء عالميًا.

وهنا تتضح الصورة الأوسع: الاقتصاد العالمي لا يواجه فقط صدمة طاقة، بل صدمة مركبة في سلاسل الإمداد. فكما أثرت الحرب في أوكرانيا سابقًا على تدفقات السلع الأساسية، تأتي أزمة إيران لتعمّق الاختناقات، ما يضع قطاعات صناعية كاملة أمام خيارين أحلاهما مر: تقليص الإنتاج أو التوقف. ومع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتزايد القيود التصديرية، يتحول الاقتصاد العالمي تدريجيًا إلى بيئة أكثر تجزؤًا وأقل كفاءة.

وفي هذا السياق، تلعب الصين دورًا محوريًا ولكن بحذر شديد. فهي الأكثر تأثرًا باستقرار مضيق هرمز باعتبارها أكبر مستورد للنفط الإيراني، لكنها في الوقت ذاته تتجنب الانخراط المباشر في الصراع. تختار بكين ما يمكن وصفه بـ“الدبلوماسية الصامتة”، حيث توازن بين شراكتها مع إيران وعلاقاتها مع الخليج، دون الدخول في مواجهة مع واشنطن. هذا الحذر لا يعكس ضعفًا بقدر ما يعكس إدراكًا بأن قيادة الصراع في الشرق الأوسط قد تتحول إلى عبء استراتيجي، لا مكسبًا.

وبينما تتفاعل هذه التطورات على المستوى العالمي، يظهر الاقتصاد السعودي في موقع مختلف نسبيًا. فالمملكة تدخل هذه المرحلة بمرونة مالية وتضخم منخفض ونمو متماسك في القطاعات غير النفطية. ارتفاع أسعار النفط – رغم تقلباته – يمنحها دعمًا ماليًا، لكن هذا الدعم لا يلغي التحديات. فاستمرار التوتر في الممرات البحرية ينعكس على ثقة المستثمرين، وتكاليف المشاريع، وسلاسل الإمداد، خاصة في ظل توجه المملكة لتوسيع قاعدتها الاقتصادية وتنويع مصادر دخلها.

من جهة أخرى، يبرز التنويع الاقتصادي كعامل حاسم في قدرة السعودية على مواجهة هذه المرحلة. فالنمو في القطاعات غير النفطية، والتوسع في الخدمات والتقنية والسياحة، يمنح الاقتصاد قدرة أكبر على امتصاص الصدمات. إلا أن استمرار حالة عدم اليقين العالمية قد يبطئ بعض هذه المسارات، خصوصًا إذا تصاعدت التوترات أو تعطلت التجارة بشكل أوسع.

في النهاية، لا يمكن قراءة المشهد الحالي كفترة استقرار، بل كمرحلة انتقالية محفوفة بالمخاطر. الاقتصاد العالمي يقف على توازن هش، حيث تتراجع حدة الصدمات مؤقتًا، لكنها تظل كامنة وقابلة للعودة في أي لحظة. أما السعودية، فتمضي في هذا التوازن بثقة نسبية، لكنها تدرك أن استدامة النمو لا تعتمد فقط على قوتها الداخلية، بل أيضًا على استقرار بيئة دولية تتغير بسرعة.

وبين هدنة لا يُطمأن إليها، وطبول حرب لا تزال تُقرع في الخلفية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام أزمة مؤجلة، أم بداية لتحول أعمق في شكل الاقتصاد العالمي وسلاسل إمداده؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى