بين اول جمعه واخر جمعه في رمضان 29/رمضان

بقلم / زعفران علي المهنا
كانت أول جمعة من رمضان، يوما لا يشبه أي يوم، يوما انسكب في روحي مثل سورة الكهف، هدوءا في أوله، وعاصفة في آخره. يوم أعلنت فيه، بصوت متعب، أنني بحاجة إلى استراحة محارب، كما كان يهمس لي دائما فارس الإعلام فارس السناني: زعفران، أنت بحاجة إلى استراحة محارب… وكأن كلماته كانت تسبق قدري.
كنت في المطبخ، أعد فطور لمة العائلة، أرتب الصحون كأنني أرتب قلبي، وأحاول أن أخفي داخلي كل ذلك التعب الذي لا يرى. وعدت نفسي أن أترك القلق خارج هذا اليوم، أن أكون قوية، أن أكون كما يعرفونني… لكن رأسي بدأ يثقل، ليس كأي ثقل، بل كأن الدنيا كلها استقرت فوقه.
كانت غيداء بجانبي، قريبة كطمأنينة صغيرة، تحاول أن تقنعني أن أرتاح. وحين استسلمت أخيرا لكلامها، بدأ كل شيء يدور… ليس المكان فقط، بل الذكريات، الوجوه، الخوف… وكأنني أفقد السيطرة على نفسي وعلى كل ما حولي. في لحظة، تحولت السكينة إلى فزع.
اتصلت غيداء بزوجي ، وبدأت الخطوات تتسارع، الأصوات تختلط، والدموع تتسابق. كان صوت أحلام مليئا برجاء يمزق القلب، كانت تتوسلني أن أبقى، وكأنها تعطي من عمرها لي، وكأن دقات قلبها كانت تدفعني نحو النجاةواخواتها بجانبها
وصلت إلى المستشفى على نقالة، وصوت عجلاتها كان كأنه إعلان عن ضعفي لأول مرة. وبين ذلك كله، جاء صوت: “عمه… عمه”، من عبد القادر أبو يونس… كلمة بسيطة، لكنها اخترقتني بحنان لم أعرفه من قبل. شعرت أنني لست وحدي… أبدًا.
فتحت عيني للحظة، رأيت الوجوه التي أحبها رأيت عقيل ويحي وارم ، رأيت الحياة كلها مجتمعة حولي، ثم أغمضتها بدعاءٍ واحد: يا رب، لا تحرمني من بناتي… وكنت أعتذر لهن في قلبي، أعتذر عن خوفهن عليا، عن دموعهن، عن هذا الألم الذي لم أرده لهن يوما.
إسماعيل… زوجي، صديقي، وسندي، كان هناك، حضوره كان أمانا وسط هذا التيه. لم أفهم ما يحدث، فقط وجدت نفسي في غرفة العمليات، بين أيدي طبيب أثق به، وبين دعوات من أحبوني أكثر مما أحب نفسي.
وفي تلك اللحظات، كبرت أحلام… لم تعد فقط ابنتي، بل أصبحت ظهري، صوتي، قوتي. حملت كل شيء ، عني، عن البيت، عن الحياة… فقط لأخرج أنا، فقط لأعود وعندما تناديني : ماما… اجيب كما عودتها .
حين عدت، لم أعد كما كنت… عدت وأنا أحمل في قلبي ندبة، قالوا عنها دعامة لكنني شعرت بها كأثر من معركة، كذكرى حياة انتصرت على الموت. رفضت أن تكون ضعفا، جعلتها دليلا أنني ما زلت هنا… وما زلت أقاوم.
من حولي، تحول الجميع إلى قلوب تسهر على راحتي ، نصائح، خوف، حب، دعوات… أخي حسن، ودموعه التي لم يستطع إخفاءها، أبو حسين حبيب قلبي ، وكل من ناداني “إيمو” بحبٍ لا يوصف… كانوا لي حياةً أخرى.
أما من كانوا بعيدين، فكانت دعواتهم تصلني كضوءٍ في العتمة، وأحفادي… يا الله، كم كان حبهم طوق نجاة.
وذلك الطبيب الإنسان، الذي لم يكن فقط طبيبا، بل رحمة تمشي على الأرض، كان يعتني بي بتفاصيل جعلتني أشعر أنني لست مريضة… بل إنسانة تستحق الحياة.
انتهى رمضان… لكنني لم أعد أراه كما كان. لم تعد الطقوس وحدها هي المعنى، بل أصبحت زيارة الله ،هي القرب، الدعاء، الحب… هي رمضان الحقيقي.
واليوم، وأنا أكتب، لا أملك إلا أن أقول: شكرًا لكل قلب خاف علي، لكل دمعة نزلت باسمي، لكل دعاء رفعني… أهديكم من قلبي رضا، بحجم ما منحتموني من حياة.
زعفران علي المهنا
29رمضان 2026



