المجتمع حاضنة العنف ضد المرأة

جرائم العنف موجودة في كل زمان ومكان ولدى كل شعوب الأرض، إلا أن نوعية العنف تتفاوت في أسبابها ومسبباتها ونوعية ضحاياها ومرتكبيها من بلد إلى بلد ومن شعب إلى آخر وحتى من منطقة إلى منطقة في البلد نفسه.

تقول إحصاءات إن 35% من النساء في العالم تعرضن لعنف من قبل الشريك في مرحلة ما من حياتهن، ولكن العنف أيضا درجات ويختلف مضمونه وأسبابه، فعندما تقتل امرأة عربية لا يتبادر إلى أذهاننا عمل جنائي بالمعنى التقليدي المعروف بين رجل ورجل مثلًا، بل نفهم ضمنا أن هذه الامرأة قتلت لأنها الحلقة الأضعف، وأن هناك أسبابًا لها علاقة بالاستبداد الذكوري، فهي تدفع من صحتها وأحيانًا حياتها ثمنا لعنف الرجل وساديّته وأنانيّته وذكوريته التي لا تتزعزع، والتي تحرم المرأة حتى من حق الاعتراض أو التساؤل، في أحيان كثيرة تكون الجريمة بلا مبرر منطقي، إذا كان هناك في الجريمة منطق أصلا، أو تسلسل أحداث منطقي يؤدي إلى ارتكاب جريمة قتل، أسباب مقتل السيدة من طمرة، صباح اليوم، وهي العربية السادسة منذ بداية العام، ليست واضحة بعد، ولكن ما هو معروف أن الزوجة الضحية في الشهر التاسع من حملها. والأمر رهن التحقيق، ولا نستطيع أن نجزم كيف وقعت الجريمة وليس من حقنا أن نقرر تفاصيل الجريمة وحيثياتها قبل نهاية التحقيق! قد ترتكب الجريمة بدون سابق تدبير، قد تحدث فجأة بعد تبادل اتهامات أو كلمات قاسية وتوتر له أسبابه الكثيرة بين الزوجين بسبب عبء الحياة ومشاغلها، الأمر الذي يجر إلى استخدام العنف اللفظي ثم الجسدي من قبل الرجل تجاه المرأة، فقط لأن المرأة هي الحلقة الأضعف، وبإمكان الرجل تفريغ شحنات غضبه بها وعليها، وهذا قد يؤدي إلى الجريمة، نعم أحيانا بدون قصد ارتكاب للجريمة، وأحيانا مع قصد وسبق إصرار، ولكن  بلا شك أن الخلفية النفسية للرجل العربي بوعيه ولا وعيه مهيأة للعنف بحق المرأة، أكثر بكثير من استعداده للعنف تجاه أحد أبناء العائلة من الذكور للأسباب نفسها التي أدت لعنفه ضد المرأة.

قد يكون القتل على خلفية اقتصادية لا ذنب للمرأة فيها، وقد يكون على خلفيات لا علم لأحد بها وغير متوقعة، إلا أن الرجل يصب جام غضبه على الحلقة الأضعف لأنه مستعد ومهيأ نفسيا للعنف ضدها، سواء زوجته أو ابنته أو شقيقته وحتى والدته، قد يبدأ العنف لفظيا، ولكنه يتطور إلى عنف جسدي لأنه لا يتحمل أي رد من قبل المرأة، ثم يفقد السيطرة لتتحول إلى جريمة قتل.

الرجل عادة، ولا أتحدث عن حادثة بعينها، بل عموما يطلق العنان لغرائزه بلا رقابة لا ذاتية ولا محاسبة اجتماعية، ولكنه يحاسب المرأة على كل حركة ونأمة وتعبير وجه، فهو يخشى على مكانته ورجولته أن تتزعزع، وهو الذي اعتاد أن يكون الملك بلا منازع على قلب المرأة وروحها وجسدها وحاضرها ومستقبلها وتفكيرها، فهو يعتبرها من أملاكه الخاصة التي يجب أن يتحكم بكل برغي صغير من مركباتها الجسدية والروحية. فإذا ما تزعزعت هذه المكانة غضب وآذى لفظيا ثم جسديا وقد يصل أذاه حد الجريمة.

بلا شك أن للشخصية العربية وتركيبتها النفسية مقوماتها التي جعلت منها هذه الشخصية العدوانية تجاه المرأة القريبة بالذات، الأخت والزوجة والأم والابنة، نفس هذا الرجل تراه حنونًا كريمًا شهمًا مع المرأة الأجنبية، أو التي لا تخصّه بقربى، بحيث يظهر لها كل ما لديه من مواهب وطيبة وتسامح وفنون.

علينا أن نعترف بأن هناك بيئة اجتماعية حاضنة للرجل العنيف تجاه المرأة، بيئة متسامحة، لا ترى فيه مجرما عندما يعنفها لفظيا أو جسديا أو جنسيا، فقط عندما يقع المحظور وتقع جريمة القتل، يصحو الناس أو يصدمون لوهلة ثم يعودون الى سيرتهم الأولى!

وخصوصا الرجال من أبناء القرى أو البلدات الصغيرة، التي يعرف فيها كل شخص الآخر، يعرف أبناء أسرته وكيف يعيش، هذه البيئة التي لا تحترم الخصوصيات وتتدخل بكل صغيرة وكبيرة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بخصوصيات المرأة، في هذه البيئة المستخفة بحقوق وخصوصيات المرأة تنشأ هذه الشخصية وتؤثر عليها وعلى ردود فعلها وتوجهها خفية من خلال ملاحظة هنا أو نظرة هناك في التعامل مع المرأة، بحيث يحاول الرجل أن يبقى القوي المتمكن المسيطر القادر على قمعها أمام مجتمعه الذي يراقبه ويعطي رأيه الحاد وغير البريء بتصرفاته.

علينا كلنا أن نتحمل المسؤولية، وأن نبادر لإصلاح أنفسنا بكلمة وموقف تجاه النساء، وأن نرفع مستوى الوعي في قضية المرأة منذ السن المبكرة ووضعها على رأس سلم اهتماماتنا وقضايانا الملحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى