*القيادة السياسية .. والشعب ..

 

 

إبراهيم ناصر الجرفي

*بدايةً ……*
من المعلوم لدى الجميع ، بأن الصراع على السلطة من أعظم وأسوأ المشاكل التي تعاني منها كل المجتمعات البشرية ، في كل العصور والأزمان ، بل ٱنها السبب الرئيسي في معظم الحروب والصرعات والكوارث البشرية غير الطبيعية ، وسبب الكثير من الدمار والخراب والتراجع والتخلف الحضاري ، وفي خضم تلك الصراعات والحروب على السلطة ، تتجلى وتظهر وتبرز أنواع متعددة من القيادات ، فهناك قيادات سلمية وطنية عظيمة ، تقدم المصالح العليا لشعبها على مصالحها الخاصة ، وفي سبيل ذلك تقدم كل التنازلات الممكنة ، وهناك قيادات عدوانية متسلطة سلبية ، تقدم مصالحها الخاصة وأطماعها السلطوية ، على المصالح العليا لشعبها ، وفي سبيل ذلك تخوض المعارك والحروب ، وترفض تقديم أي تنازلات يمكن أن تضر بمصالحها وأطماعها ، مهما كانت تكلفة تلك الحروب باهضة من الدماء والدمار والخراب والمعاناة والمآسي ..!!

وفي مثل هذه المواقف العصيبة ، تتجلى عظمة القيادة ، أو يتجلى ضعفها ، فالعظمة الحقيقية تتمثل في إنقاذ الشعب من مآسي وكوارث الحروب ، وتقديم التنازلات التي تعمل على حقن الدماء وحفظ الأرواح ، والتخفيف من الأضرار والمعاناة على أفراد الشعب ، وليست العظمة كما يظن البعض في قيام القيادة بخوض الحروب ، والزج بالشعب في أتون المهالك والخراب والدمار ، وعدم الٱكتراث بمعاناة ومآسي شعبها ، من أجل إشباع نزواتها وأطماعها السلطوية ، ومهما حاولت تلك القيادة تبرير مواقفها السلبية ، تحت أي شعارات وطنية أو قومية أو مذهبية أو طائفية ، ومهما حاولت أن تظهر بأنها تدافع عن الوطن ومصالح الوطن ، لإستغفال عامة الشعب ..!!

إلا أن الحقيقة والواقع يقول غير ذلك ، فخوض الحروب ليس فيها مصلحة للشعب ، والدمار والخراب وسفك الدماء التي تنتج عن الحروب ، ليس فيها مصلحة للشعب ، والمعاناة والمآسي والكوارث التي تترتب على الإستمرار في المعارك ، ليس فيها مصلحة للشعب ، ورفض وقف الحرب ورفض الجلوس لطاولة الحوار ليس فيها مصلحة للشعب ، بل ٱن مصالح الشعب الحقيقية ، تكمن في السلام والأمن والإستقرار والتعايش السلمي والشراكة السياسية ..!!

وبالتالي …….
فٱن القيادة العظيمة الصادقة والمخلصة لشعبها ووطنها ، حتماً سوف تسعى لتحقيق مصالح الشعب ، وتنفيذ مطالبة ، وإحترام إرادته ، بكل الطرق والوسائل الممكنة ، ولن تتردد أبداً في تقديم التنازلات الممكنة في سبيل تحقيق ذلك ، وسوف تبذل المستحيل في سبيل تجنيب شعبها ويلات الحروب ، من الدمار والخراب والقتل وسفك الدماء والنزوح والتشرد والمعاناة والمآسي  ،

والقيادة السلبية والعدوانية والمتسلطة ، حتماً لن تكترث بمصالح شعبها ، ولن تسعى لتحقيقها ، ولن تقدم أي تنازلات من أجل تجنيب شعبها ويلات الحروب ، بل إنها هي من تدق طبول الحرب ، وهي من تشجع على إستمرارها ، وهي من ترفض وقفها ، وهي من ترفض الجلوس للحوار ، وهي من ترفض الشراكة السياسية ، وهي من ترفض السلام ، وهي بمواقفها المتصلبة والمتشددة تلك ، من تتسبب في المزيد من الدمار والخراب والقتل وسفك الدماء والمعاناة والمآسي ( القيادات الحاكمة في اليمن اليوم أنموذجاً ) ..!!

كما أن المواقف الصعبة التي تتعرض لها الشعوب ، أثناء الحروب والصراعات ، كفيلة بإظهار نوعية القيادة ، هل هي قيادة وطنية ، أم قيادة شخصية ، أم قيادة حزبية ، أم قيادة مذهبية ، أم قيادة طائفية ، وهل هي قيادة شوروية شعبية ديمقراطية ، أم قيادة تسلطية تعسفية دكتاتورية ، وهل هي قيادة رحيمة ٱنسانية ، أم قيادة قاسية متوحشة ، وهل هي قيادة سلمية ، أم قيادة عدوانية ، وهل هي قيادة حضارية مدنية راقية ، أم قيادة رجعية متخلفة ..!!

فالقيادة الوطنية هي التي تقدم المصالح العليا للوطن على كل المصالح ، وهي التي تعمل على وقف الحرب ، وتجنيب الوطن ويلاتها وآثارها السلبية ، كون ذلك من أهم المصالح العليا للوطن ، مهما ترتب على ذلك من أضرار جانبية ، بينما نجد القيادة الشخصية ، والحزبية والمذهبية والطائفية ، هي التي تقدم مصالحها الشخصية أو الحزبية أو المذهبية أو الطائفية على المصالح العليا للوطن ، وهي التي ترفض وقف الحرب ، ولا تكترث لما يترتب عليها من ويلات وكوارث يتجرعها الشعب ، في سبيل الدفاع عن مصالحها الشخصية أو الحزبية أو المذهبية أو الطائفية ..!!

والقيادة الشوروية والديمقراطية والشعبية ، هي التي تحترم إرادة الشعب ، وإرادة الشعب تكمن في وقف الحرب ، ولذلك فٱنها تعمل بكل الوسائل وتقدم كل التنازلات في سبيل تحقيق إرادة الشعب ، وفي سبيل وقف الحرب ، بينما نجد القيادة التعسفية الدكتاتورية المتسلطة ، هي التي لا تكترث بإرادة الشعب ، ولا تعير هذا الجانب أي إهتمام ، وكل تركيزها وهمها هو تحقيق إرادتها ورغباتها ونزواتها مهما كان الثمن ، ومهما كان حجم التضحيات ، التي يتحملها الشعب ، ومهما ترتب على ذلك من معاناة ومآسي ودمار وخراب وسفك دماء ..!!

والقيادة الٱنسانية والرحيمة ، هي القيادة التي تولي الجوانب الٱنسانية كل إهتمامها ، لذلك نجدها تبذل المستحيل وتقدم كل التنازلات ، في سبيل الحفاظ على حريات الٱنسان وحقوقه ، وفي سبيل تخفيف المعاناة والمآسي الإنسانية بين أفراد شعبها ، بينما نجد أن القيادة القاسية والعدوانية ، هي القيادة التي لا تولي الجوانب الٱنسانية أي إهتمام ورعاية وعناية ، ومهما تعرض شعبها للمآسي والمعاناة ، فٱنها غير مستعدة لتقديم أي تنازلات في سبيل تخفيف المعاناة والمآسي الإنسانية عن كاهل شعبها ، وتستمر في دق طبول الحرب ، وفي التشجيع على الحرب ، وكأن الأمر لا يعنيها ، وكأن الشعب الذي يتعرض لكل صور المعاناة والمآسي ليس شعبها ، بل ٱنها لا تتردد في القيام بممارسات سلبية وتعسفية ضد شعبها ، تحت مبرر خوضها الحرب ، ودفاعها عن الوطن ، لتزيد من معاناته ومآسيه ، بدون أي رحمة أو شفقة أو ٱنسانية ..!!

والقيادة السلمية هي التي تسعى إلى تحقيق السلام ، وتبذل كل جهدها في سبيل ذلك ، وتقدم كل التنازلات من أجل أن ينعم شعبها بالسلام والأمن والاستقرار ، بينما القيادة العدوانية المتشددة والمتطرفة ، هي التي تعمل على صناعة العدوات مع الآخرين ، وترفع شعارات الكراهية والعنف ضد الآخر ، وتشجع على الحروب ، وترفض السلام ، وتزج بشعبها في أتون حروب وصراعات لا ناقة له فيها ولا جمل ، ولا مكان للسلام والتعايش السلمي وثقافة التسامح في فكرها وأدبياتها ..!!

وهكذا فٱن الظروف القاسية والصعبة ، التي تتعرض لها الشعوب والأوطان ، هي البيئة المناسبة والكفيلة بإظهار حقيقة ونوع القيادة الحاكمة ، ومن خلال مواقفها وتصرفاتها وردات فعلها تجاه تلك المواقف الصعبة ، وتجاه معاناة ومآسي شعبها ، تتكشف الأقنعة ويصبح من السهل التمييز بين القيادة الوطنية والقيادة الشخصية والحزبية والطائفية ، والتمييز بين القيادة الشوروية والديمقراطية والقيادة التسلطية والاستبدادية ، وبين القيادة الإنسانية ، والقيادة المتوحشة ، وبين القيادة المدنية والقيادة الرجعية ، وبين القيادة السلمية والقيادة العدوانية ..!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى