السعودية أمام خيارات صعبة في مواجهة تهديدات الحوثيين: معادلة الأمن والتصعيد الإقليمي

مذيق باب المندب

 

 

نيويررك – هيثم جسار

تجد المملكة العربية السعودية نفسها أمام معادلة أمنية وسياسية معقدة في التعامل مع تهديدات جماعة الحوثيين، في ظل استمرار المخاوف من استهداف المنشآت النفطية والمطارات وخطوط الملاحة، وهي تهديدات تتجاوز آثارها حدود اليمن لتطال أمن المنطقة واستقرار أسواق الطاقة والتجارة الدولية.

وتتمثل صعوبة الموقف السعودي في أن التعامل مع هذه التهديدات لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يرتبط بحسابات سياسية وأمنية واقتصادية متداخلة. فالتصعيد العسكري قد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع يصعب احتواء تداعياتها، في حين أن الاكتفاء بالمسارات الدبلوماسية دون ضمانات أمنية واضحة قد يترك المنشآت الحيوية والممرات البحرية عرضة لمخاطر متجددة.

وتكتسب المنشآت النفطية السعودية أهمية خاصة في هذه المعادلة، ليس فقط باعتبارها جزءاً أساسياً من الاقتصاد السعودي، وإنما لارتباطها باستقرار إمدادات الطاقة العالمية. فأي استهداف واسع أو اضطراب في حركة الملاحة عبر البحر الأحمر وباب المندب يمكن أن ينعكس على حركة التجارة وأسعار الطاقة، ويضع المجتمع الدولي أمام تداعيات تتجاوز الحسابات الإقليمية المباشرة.

وفي هذا السياق، يبرز ملف المفاوضات باعتباره أحد أكثر الملفات تعقيداً، خصوصاً مع ما أورده تقرير صحيفة «وول ستريت جورنال» بشأن مطالب حوثية بتعويضات تصل إلى 51 مليار دولار عن الغارات الجوية والحصار، إلى جانب المطالبة باعتراف رسمي بسلطة الجماعة على اليمن. وهي مطالب تضع الرياض أمام خيارات صعبة، بين رفض تقديم تنازلات قد تُفهم باعتبارها إقراراً بالأمر الواقع، وبين محاولة تجنب العودة إلى حرب طويلة ومكلفة.

ولا تتوقف التحديات عند حدود المفاوضات أو القدرات العسكرية، إذ يشير التقرير إلى أن المملكة تواجه صعوبة في الاعتماد على تحالف عسكري إقليمي قادر على خوض مواجهة جديدة، في ظل تباين مواقف الأطراف التي سبق أن شاركت في التحالف، وعدم وجود ضمانات بتقديم دعم عسكري مباشر من الولايات المتحدة. وهذا يضيف مزيداً من التعقيد إلى حسابات الرياض، خصوصاً في ظل تعدد التهديدات الأمنية التي تواجهها المنطقة.

ومن جهة أخرى، فإن ارتباط الحوثيين بإيران يجعل المشهد أكثر تشابكاً، إذ لا يمكن فصل التطورات في اليمن عن التوترات الأوسع بين طهران وواشنطن وتل أبيب. فأي تصعيد جديد بين هذه الأطراف قد ينعكس بصورة مباشرة على الساحة اليمنية، ويزيد من احتمالات استخدام الجماعة للضغط على السعودية والممرات البحرية والمنشآت الحيوية في المنطقة، وهو ما يجعل أمن المملكة مرتبطاً إلى حد كبير بمسار الصراع الإقليمي الأوسع.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو السعودية أمام اختبار صعب يتمثل في كيفية حماية أمنها القومي ومنشآتها الاقتصادية، دون الانجرار إلى حرب مفتوحة قد تستنزف قدراتها وتنعكس على استقرار المنطقة بأكملها. وفي المقابل، فإن استمرار التهديدات الحوثية يضع مستقبل التسوية السياسية في اليمن أمام تحديات إضافية، ويطرح تساؤلات حول إمكانية الوصول إلى اتفاق يضمن إنهاء الصراع واستعادة مؤسسات الدولة، بدلاً من تكريس واقع الانقسام وتعدد مراكز القوة.

وهكذا، لم تعد أزمة اليمن بالنسبة إلى السعودية مجرد ملف حدودي أو نزاع داخلي في دولة مجاورة، بل أصبحت قضية ترتبط بأمن الطاقة والملاحة الدولية وتوازنات المنطقة، وهو ما يفسر حجم الاهتمام الأمريكي المتزايد بالتطورات اليمنية، وما تحمله المرحلة المقبلة من تحديات أمام الرياض وواشنطن وبقية الأطراف المعنية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى