حين تعم الفوضى.. ننتظر تدخلا إلهي ينقذ البشريه

 

 

 

بقلم ✍️  زعفران علي المهنا

العالم من حولنا فوضى.. نعم، فوضى بكل ما تحمله الكلمة من وجع واتساع. البشر تملكتهم الفوضى، وسيطرت عليهم الفوضى، وشتتتهم الفوضى، حتى أصبح الإنسان في كثير من الأحيان غريبا عن إنسانيته، خائفا على حاضره، مرتبكا أمام مستقبله، عاجزا عن فهم ما يجري حوله.
فوضى في الحروب، وفوضى في القيم، وفوضى في العلاقات، وفوضى في العقول والقرارات. فوضى لا تكتفي بتدمير المدن، بل تمتد لتدمير النفوس، ولا تكتفي بإرهاب الإنسان، بل تطارد المرأة والطفل والمعاق، وتخنق الشجر، وتلوث الماء، وتجرح الأرض، وتعتدي على الوديان والسهول، وكأن هذا الكون بكل ما فيه قد أصبح ضحية لإنسان نسي أنه ليس مالك الحياة، بل أحد أماناتها.
لقد تملكت البشر الفوضى، وسيطرت عليهم الفوضى، وشتتتهم الفوضى.. فهل من خلاص؟
هنا، لا أجدني أبحث عن قوة بشرية جديدة، ولا عن اتفاق سياسي آخر، ولا عن شعارات تضاف إلى أرشيف الشعارات التي لم تستطع إنقاذ إنسان واحد من الموت أو الجوع أو الخوف. أجدني أرفع بصري إلى السماء، وأقول بكل ما في القلب من إيمان ووجع: يا رب، إن البشرية تحتاج إلى رحمتك، تحتاج إلى لطفك، تحتاج إلى أن تردها إليك ردا جميلا، وأن تنقذها من شر ما صنعت أيديها.
نريد تدخلا إلهيا ينصر الإنسان حين يخذله الإنسان، ويحمي الطفل حين تتخلى عنه القوانين، ويجبر قلب المرأة حين تتحول حياتها إلى ساحة للخوف والقهر، ويرحم المعاق حين لا يجد من يهيئ له طريقا آمنا أو حياة كريمة. نريد رحمة تمتد إلى الشجر الذي لا صوت له، وإلى الحجر الذي تشوهه الحروب، وإلى الوديان والسهول التي تدفع ثمن جشع البشر وغفلتهم.
لكن كيف يكون التدخل الإلهي؟ وكيف يمكن أن نلمس أثره في عالمنا؟
أؤمن أن قدرة الله سبحانه وتعالى لا تحدها تصوراتنا، وأن رحمته أوسع من مخاوفنا، لكننا لا نملك أن نحدد كيف ومتى تأتي مشيئته. وما نستطيع أن نفهمه من إيماننا أن الله جعل في الأرض سننا، وفي الإنسان عقلا وضميرا، وفتح أمامه أبواب التوبة والإصلاح والرحمة.
قد نلمس من آثار لطف الله نجاة إنسان من موت، أو يقظة ضمير تنهي حربا، أو كلمة حق توقف ظلما، أو يد تمتد لإنقاذ طفل، أو امرأة تجد من يحميها، أو إنسان قوي يقرر أن يكون سندا لضعيف لا خصما له. وقد تكون بداية الخلاص في صحوة جماعية تعيد للإنسان احترام الحياة، وتضع حدا للعبث بالأرض والإنسان.
أليس من الممكن أن يكون بعض ما نرجوه من التدخل الإلهي بداية هداية في القلوب، وبصيرة في العقول، وشجاعة في المواقف، ورحمة تحرك أولئك الذين يملكون القرار والقدرة على وقف النزيف؟
إن الدعاء ليس هروبا من المسؤولية، والتوكل ليس استسلاما للفوضى. نحن ندعو الله أن يغير حال البشرية، وعلينا في الوقت نفسه أن نكون جزءا من التغيير الذي نرجوه. أن نرفض الظلم، وألا نشارك في نشر الكراهية، وأن نحمي الضعيف، ونصون البيئة، ونربي أبناءنا على أن قوة الإنسان ليست في قدرته على الإيذاء، بل في قدرته على العطاء والإصلاح.
يا رب، إن الفوضى قد تملكت البشر، وسيطرت عليهم، وشتتتهم، حتى بتنا نخشى أن يفقد العالم بوصلته الأخيرة. فلا تترك الإنسان لنزواته، ولا تترك الطفل لمصيره، ولا المرأة لوحدتها، ولا المعاق لعجز المجتمع عن احتوائه. ولا تترك أرضنا فريسة للجشع، ولا ماءنا للعبث، ولا أشجارنا للموت، ولا ودياننا وسهولنا لعدوان من لا يرون في الطبيعة إلا موردا للربح.
يا رب، أعد إلى القلوب سكينتها، وإلى العقول حكمتها، وإلى الإنسان إنسانيته. اجعل للعدل صوتا أعلى من صوت السلاح، وللرحمة أثرا أعمق من أثر الكراهية، وللحكمة مكانا في عالم أضاعته المصالح والصراعات.
لسنا بحاجة إلى معجزة تنقذ أجسادنا وحدها، بل إلى رحمة توقظ ضمائرنا، وهداية تعيد الإنسان إلى إنسانيته، وعدل يوقف نزيف الأرض.
نريد أن نلمس لطف الله في حياة لا يخاف فيها الطفل، ولا تنكسر فيها المرأة، ولا يهمل فيها المعاق، ولا تموت فيها الأشجار جوعا إلى الماء، ولا تتحول الوديان والسهول إلى شواهد على جشع البشر.
نريد أن يأتي يوم ننظر فيه إلى هذا العالم فنشعر أن الفوضى لم تعد سيدة المشهد، وأن الإنسان استعاد مكانه الذي يليق به بين مخلوقات الله؛ عبدا لله، وأمينا على الحياة، ومسؤولا عن إعمار الأرض لا تخريبها.
فيا رب، إن ضاقت بنا الأرض بما رحبت، فإن رحمتك أوسع، وإن اختلطت علينا الطرق، فاهدنا إلى طريقك، وإن عجزنا عن إصلاح العالم كله، فلا تجعلنا عاجزين عن إصلاح ما نستطيع.
اللهم أنقذ البشرية من نفسها قبل أن تهلك بما صنعت يداها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى