إسرائيل في مواجهة الدبلوماسية: لماذا لا تريد تل أبيب اتفاقًا بين ترامب وإيران؟

آلصورة – رويترز

 

أ د / دحان النجار

في الوقت الذي تتزايد فيه المؤشرات على إمكانية عودة المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، تبدو إسرائيل أكثر الأطراف قلقًا من أي اتفاق محتمل قد يوقّعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع طهران. هذا القلق لا يقتصر على الجانب السياسي أو الأمني فحسب، بل يتجلى ميدانيًا عبر تصعيد واضح في أكثر من ساحة، من لبنان إلى قطاع غزة، وصولًا إلى دوائر صنع القرار في واشنطن.

تصعيد محسوب على الجبهة اللبنانية

تشهد الساحة اللبنانية في الآونة الأخيرة تصعيدًا إسرائيليًا لافتًا، يتمثل في تكثيف الضربات الجوية والاستهدافات الدقيقة. هذا التصعيد لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تسعى إسرائيل إلى إرسال رسائل مزدوجة: أولها لإيران بأن أي اتفاق لن يحد من قدرتها على الردع أو العمل العسكري، وثانيها للولايات المتحدة بأن التهديد الإيراني لا يزال قائمًا ومتجذرًا عبر أذرعه الإقليمية.

إن رفع وتيرة العمليات العسكرية في لبنان يعكس استراتيجية إسرائيلية تقوم على “خلق واقع ميداني ضاغط” يسبق أي تفاهم سياسي، بما يجعل أي اتفاق أمريكي-إيراني يبدو منفصلًا عن الوقائع الأمنية على الأرض.

غزة: ساحة الاغتيالات وإعادة خلط الأوراق

في قطاع غزة، تواصل إسرائيل تنفيذ عمليات عسكرية واغتيالات تستهدف قيادات ميدانية وفصائل مقاومة، في محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك. هذه العمليات لا تهدف فقط إلى تحقيق مكاسب تكتيكية، بل تحمل بعدًا استراتيجيًا يتمثل في إبقاء المنطقة في حالة توتر دائم.

إسرائيل تدرك أن أي تهدئة شاملة في المنطقة، نتيجة اتفاق أمريكي-إيراني، قد تقلص من هامش حركتها العسكرية. لذلك تعمل على إبقاء الجبهة الفلسطينية مشتعلة، بما يعزز روايتها الأمنية أمام واشنطن ويضعف فرص أي مسار تهدوي شامل.

الضغط داخل واشنطن: سلاح إسرائيل الأقوى

على المستوى السياسي، تلعب إسرائيل ورقة نفوذها التقليدي داخل الولايات المتحدة، خاصة عبر مؤيديها في الكونغرس ومجلس الشيوخ. هذه الدوائر تمارس ضغوطًا مكثفة على الرئيس ترامب لعدم توقيع أي اتفاق مع إيران، أو على الأقل فرض شروط صارمة تحد من قدرات طهران النووية والإقليمية.

هذا الضغط لا يقتصر على القنوات الرسمية، بل يمتد إلى مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام، حيث يتم تضخيم المخاطر المرتبطة بأي تقارب أمريكي-إيراني، وتصويره كتهديد مباشر لأمن إسرائيل وحلفاء واشنطن في المنطقة.

سيناريوهات العرقلة: من الأمني إلى السياسي

في حال اقتراب واشنطن وطهران من توقيع اتفاق، قد تلجأ إسرائيل إلى مجموعة من الأدوات لعرقلته، تشمل:

– عمليات أمنية نوعية تستهدف منشآت أو شخصيات مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، بهدف استفزاز ردود فعل تعرقل المسار التفاوضي.
– تصعيد عسكري إقليمي عبر توسيع نطاق المواجهة في لبنان أو غزة، لخلق بيئة غير مستقرة لا تسمح بتمرير الاتفاق.
– تحركات سياسية ودبلوماسية لحشد معارضة دولية، خاصة داخل الولايات المتحدة وأوروبا، ضد أي اتفاق “ناقص” من وجهة نظرها.

هذه الأدوات تعكس قناعة إسرائيلية راسخة بأن الاتفاق مع إيران، إذا لم يكن وفق شروطها، سيؤدي إلى تغيير في موازين القوى الإقليمية على حسابها.

خلاصة: صراع بين منطق القوة ومنطق التسوية

في جوهر الموقف الإسرائيلي يكمن صراع بين رؤيتين: الأولى تؤمن بأن الضغط العسكري والتصعيد هو السبيل الوحيد لاحتواء إيران، والثانية – التي تميل إليها بعض الدوائر الأمريكية – ترى أن الدبلوماسية قد تفتح بابًا لتقليل التوتر.

غير أن إسرائيل، في ظل قيادتها الحالية، تبدو غير مستعدة للمخاطرة بمثل هذا التحول. ولذلك، فإن أي مسار تفاوضي بين ترامب وإيران سيظل محفوفًا بعقبات، ليس أقلها التحركات الإسرائيلية المباشرة وغير المباشرة لإفشاله أو إعادة تشكيله بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبقى المنطقة مفتوحة على احتمالات متعددة، تتراوح بين تسوية هشة وتصعيد واسع، في انتظار ما ستسفر عنه معركة الإرادات بين واشنطن وتل ابيب وطهران.
د/دحان النجار ميشجان ١٤ يونيو ٢٠٢٦م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى