من نيويورك إلى واشنطن: هل بدأ اليسار الجديد إعادة تشكيل أمريكا؟

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
من نيويورك إلى واشنطن: هل بدأ اليسار الجديد إعادة تشكيل أمريكا؟
في السياسة الأمريكية، لا تأتي التحولات الكبرى دائمًا من البيت الأبيض. أحيانًا تبدأ من مجلس بلدي، أو من حي في بروكلين، أو من مرشح شاب لا تدعمه المؤسسة الحزبية. هكذا بدأ حزب الشاي داخل الحزب الجمهوري قبل أكثر من عقد، وهكذا صعد الرئيس الأمريكي ال ٤٥ وال٤٧. “دونالد ترامب” لاحقًا ليعيد تشكيل الحزب الجمهوري بالكامل. واليوم، يرى عدد متزايد من المحللين أن الحزب الديمقراطي يواجه لحظة مشابهة مع صعود التيار التقدمي والديمقراطيين الاشتراكيين.
لم تعد القضية مجرد نجاح انتخابي هنا أو هناك. فبعد صعود شخصيات مثل “بيرني ساندرز” و”ألكساندريا أوكاسيو كورتيز”، ونجاح مرشحين تقدميين في نيويورك وشيكاغو ومدن أخرى، بدأ الحديث داخل واشنطن عن معركة أعمق تتعلق بمستقبل الحزب الديمقراطي نفسه. صحيفة النيويورك تايمز وصفت الظاهرة بأنها انتقال من “الاحتجاج على المؤسسة” إلى “محاولة السيطرة على المؤسسة”.
وتعود جذور هذا التحول إلى تغيرات اقتصادية واجتماعية عميقة. فوفق استطلاعات “بيو ريسيرش” و”غالوب”، فإن الأمريكيين تحت سن الثلاثين أقل حماسًا للرأسمالية التقليدية من الأجيال السابقة، وأكثر دعمًا لبرامج الرعاية الصحية الشاملة، وتخفيف أعباء التعليم، وزيادة الضرائب على أصحاب الثروات الكبرى. كما أن ارتفاع ديون الطلاب إلى أكثر من 1.7 تريليون دولار، وأزمة السكن، واتساع فجوة الدخل، كلها عوامل غذّت هذا التحول.
لكن صعود اليسار الجديد أثار أيضًا حالة استنفار داخل الحزب الديمقراطي نفسه. فقد حذر الاستراتيجي الديمقراطي المخضرم “جيمس كارفيل” مرارًا من أن الخطاب اليساري قد يحقق نجاحًا في المدن الكبرى، لكنه قد ينفر الناخبين الوسطيين الذين يحتاجهم الحزب للفوز في ولايات مثل بنسلفانيا وويسكنسن وميشيغان. أما “ديفيد أكسلرود”، المستشار السابق للرئيس باراك أوباما، فدعا إلى التوازن بين الحماس الأيديولوجي والواقعية الانتخابية.
وفي المقابل، يرى أنصار هذا التيار أن المؤسسة الديمقراطية هي التي فقدت الاتصال بالطبقات العاملة والشباب، وأن الحزب لن يستطيع استعادة زخمه دون تبني سياسات أكثر جرأة في ملفات الصحة، والتعليم، والإسكان والأجور.
أما الجمهوريون، فهم ينظرون إلى المشهد من زاوية مختلفة تمامًا. فبالنسبة لكثير من المحافظين، لا تمثل الاشتراكية مجرد توجه اقتصادي، بل تجربة تاريخية أثبتت فشلها في أكثر من مكان. ولهذا يحرص قادة الحزب الجمهوري على ربط صعود اليسار الأمريكي بأمثلة دولية مثل كوبا وفنزويلا والاتحاد السوفيتي سابقًا، وأحيانًا الصين رغم اختلاف نموذجها الاقتصادي الحالd.
وقد كرر الرئيس الامريكي “دونالد ترامب” خلال حملاته الانتخابية أن الاشتراكية “لا مكان لها في الولايات المتحدة”، بينما اعتبر حاكم فلوريدا “رون ديسانتيس” أن نجاح النموذج الأمريكي قائم على اقتصاد السوق وليس على توسع دور الدولة. كما يستخدم الجمهوريون باستمرار تجربة فنزويلا بوصفها المثال الأبرز على ما يمكن أن يحدث عندما تتحول الشعارات الاجتماعية إلى أزمة اقتصادية وتضخم وانهيار مؤسساتي.
وفي الكونغرس، يكرر أعضاء جمهوريون مثل “تيد كروز” و”جوش هاولي” ووزير الخارجية الحالي”ماركو روبيو” التحذير من أن السياسات اليسارية قد تؤدي إلى زيادة الإنفاق الحكومي والعجز والدين العام، الذي تجاوز أصلًا 36 تريليون دولار.
وترى مؤسسات فكرية محافظة مثل مؤسسة التراث” و ” معهد المشاريع الأمريكية بأن الحل لا يكمن في توسيع دور الحكومة، بل في تحرير الأسواق وتحفيز الاستثمار والابتكار.
لكن المفارقة أن بعض القضايا التي يرفعها اليسار التقدمي تحظى بشعبية حتى بين ناخبين مستقلين وبعض الجمهوريين، مثل خفض تكاليف الأدوية أو الحد من نفوذ الشركات الكبرى أو دعم الصناعات المحلية. ولهذا لا يدور الصراع الحقيقي حول الأهداف بقدر ما يدور حول الوسائل.
ويعتقد بعض المحللين أن الولايات المتحدة لا تتجه نحو اشتراكية بالمعنى التقليدي الذي عرفه العالم في كوبا أو الاتحاد السوفيتي أو حتى الصين الماوية، بل نحو نموذج أقرب إلى الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية، حيث يبقى اقتصاد السوق قائمًا لكن مع دور أكبر للدولة في بعض القطاعات الحيوية.
إلا أن الجمهوريين يرفضون حتى هذا الطرح، لأنهم يرون أن أي توسع حكومي كبير يهدد أحد المبادئ الأساسية التي قامت عليها الولايات المتحدة مثل: المبادرة الفردية والاعتماد على القطاع الخاص.
وتزداد حدة هذا الصراع مع اقتراب انتخابات 2028. فداخل الحزب الديمقراطي هناك معركة بين المؤسسة التقليدية والجيل التقدمي الجديد. وداخل الحزب الجمهوري هناك سعي لتقديم نفسه كخط الدفاع الأخير ضد ما يسميه “الانزلاق نحو الاشتراكية.” و لهذا قد لا تكون الانتخابات القادمة مجرد منافسة بين الجمهوريين والديمقراطيين، بل استفتاءً أوسع على سؤال أكبر يتمثل في: هل تريد أمريكا رأسمالية أكثر انفتاحًا على تدخل الدولة؟ أم أنها ستتمسك بالنموذج الذي جعلها القوة الاقتصادية الأولى في العالم؟
الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد ليس فقط مستقبل الحزبين، بل شكل الولايات المتحدة نفسها خلال العقود المقبلة. المقال ١٢: زينة بلقاسم




