البريكس من حلم التعددية إلى صراع التوازنات: انقسامات تهدد مستقبل التكتل

صورة بالذكاء الاصطناعي

 

نيويورك – زينة بلقاسم – الأمم المتحدة

 

في الوقت الذي يحاول فيه العالم إعادة رسم خرائط النفوذ الاقتصادي والسياسي، تبدو مجموعة البريكس وكأنها تقف أمام اختبار تاريخي قد يحدد مستقبلها لعقود قادمة. فالتكتل الذي وُلد أصلًا كمنصة للدول الصاعدة الساعية إلى كسر احتكار الغرب للنظام العالمي، بدأ يواجه اليوم تناقضاته الداخلية الخاصة. وبينما يواصل قادته الحديث عن “التعددية القطبية” و”إصلاح النظام الدولي”، تتسع في العمق فجوات سياسية واستراتيجية تكشف أن البريكس ليس كتلة متجانسة بقدر ما هو تجمع لمصالح متشابكة… ومتصادمة أحيانًا.

وخلف الصورة التي تحاول قمم البريكس تقديمها عن وحدة الجنوب العالمي، تتزايد المؤشرات على أن الخلافات داخل التكتل لم تعد مجرد اختلافات تكتيكية، بل أصبحت ترتبط بسؤال أكبر: ماذا يريد البريكس أن يكون فعلًا؟

هل هو تحالف اقتصادي إصلاحي يسعى لتعديل موازين النظام العالمي من الداخل؟
أم محور سياسي جديد يتحدى الغرب بصورة مباشرة؟

هذا السؤال تحديدًا بات يشكل خط الانقسام الأوضح داخل المجموعة.

الصين وروسيا تنظران إلى البريكس باعتباره فرصة تاريخية لتقليص النفوذ الأمريكي وإعادة تشكيل النظام الدولي بما يتناسب مع صعود القوى الشرقية. موسكو، التي تواجه عزلة غربية متصاعدة منذ الحرب الأوكرانية، ترى في البريكس منصة استراتيجية لكسر العقوبات الغربية وبناء شبكات مالية وتجارية موازية للنظام الذي تقوده واشنطن. أما بكين، فتتعامل مع التكتل باعتباره جزءًا من مشروع أوسع لإعادة توزيع القوة الاقتصادية عالميًا، وتقليل الاعتماد على الدولار، وتعزيز نفوذ الصين في الجنوب العالمي.

لكن داخل التكتل نفسه، لا تشارك جميع الدول هذه الرؤية التصادمية.

الهند، على سبيل المثال، تتحرك في اتجاه مختلف تمامًا.
فرغم عضويتها الفاعلة في البريكس، فإنها في الوقت نفسه شريك استراتيجي متنامٍ للولايات المتحدة ضمن تحالفات أمنية واقتصادية حساسة في آسيا. ولهذا تحاول نيودلهي باستمرار منع تحول البريكس إلى منصة مواجهة مباشرة مع الغرب. فالهند تدرك أن أي انزلاق نحو خطاب عدائي صريح قد يهدد توازناتها الدقيقة مع واشنطن، ويؤثر على مصالحها الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية.

ولهذا السبب تحديدًا، بدأت الاجتماعات الأخيرة للبريكس تكشف حجم التوتر الكامن تحت السطح.

تقارير رويترز وواشنطن بوست تحدثت عن خلافات حادة داخل الاجتماعات المغلقة بشأن صياغة البيانات السياسية، خصوصًا فيما يتعلق بالحرب في أوكرانيا، والعلاقة مع الولايات المتحدة، وقضايا الشرق الأوسط. بل إن بعض الاجتماعات انتهت دون بيانات موحدة بسبب صعوبة التوصل إلى لغة دبلوماسية ترضي جميع الأطراف.

واللافت أن هذا الانقسام لا يقتصر على الهند فقط.

إندونيسيا، التي اقتربت أكثر من البريكس خلال الفترة الأخيرة، عبّرت بوضوح عن مخاوف مشابهة. فجاكرتا لا تريد أن يتحول التكتل إلى “ناتو اقتصادي مضاد للغرب”، لأن ذلك سيقوض صورته كمنصة للتعاون الدولي والتعددية الاقتصادية. ولهذا شددت شخصيات سياسية وأكاديمية إندونيسية على أن البريكس يجب أن يبقى مشروعًا اقتصاديًا إصلاحيًا، لا محورًا أيديولوجيًا للصدام العالمي.

هذا الحذر يعكس إدراكًا متزايدًا لدى عدد من الدول الصاعدة بأن العالم لم يعد يحتمل انقسامًا حادًا جديدًا بين معسكرين متواجهين كما حدث خلال الحرب الباردة.

لكن المشكلة الأعمق داخل البريكس ربما لا تتعلق فقط بالموقف من الغرب، بل بطبيعة العلاقات بين أعضائه أنفسهم.

فالصين والهند، وهما أكبر قوتين داخل التكتل بعد الصين، ما تزالان تخوضان صراعًا حدوديًا واستراتيجيًا ممتدًا في الهيمالايا والمحيط الهندي. وإيران والإمارات، اللتان انضمتا حديثًا، تحملان بدورهما تنافسات إقليمية معقدة. وحتى البرازيل وجنوب أفريقيا لديهما حسابات اقتصادية وسياسية تختلف جذريًا أحيانًا عن أولويات موسكو وبكين.

ولهذا بدأت بعض مراكز الأبحاث الغربية تتحدث عن “مفارقة البريكس”:
فالمجموعة تتفق على رفض الهيمنة الغربية… لكنها لا تتفق على شكل النظام البديل.

صحيفة وول ستريت جورنال وصفت التوسع الأخير للبريكس بأنه “توسيع للتناقضات بقدر ما هو توسيع للنفوذ”. لأن إضافة أعضاء جدد زادت الوزن الديموغرافي والاقتصادي للمجموعة، لكنها في الوقت نفسه أدخلت حساسيات وصراعات إقليمية معقدة إلى داخلها.

ومع ذلك، ما يزال هناك عامل أساسي يحافظ على الحد الأدنى من التماسك داخل التكتل: الاقتصاد.

فجميع دول البريكس تقريبًا تشترك في الرغبة بتقليل الاعتماد على الدولار، وتوسيع التجارة بالعملات المحلية، وإصلاح المؤسسات المالية الدولية، والحصول على تمثيل أكبر داخل النظام الاقتصادي العالمي. كما أن “بنك التنمية الجديد” الذي أسسته المجموعة أصبح يمثل بالنسبة لبعض الدول النامية بديلًا جزئيًا عن المؤسسات الغربية التقليدية.

لكن حتى هنا، تظهر الانقسامات مرة أخرى.

فبعض الدول تريد إصلاح النظام العالمي من الداخل، بينما تسعى أخرى لبناء نظام موازٍ بالكامل. وبعضها يعتمد اقتصاديًا على الولايات المتحدة وأوروبا أكثر مما يعتمد على شركائه داخل البريكس، ما يجعل فكرة القطيعة مع الغرب شبه مستحيلة.

ولهذا يبدو البريكس اليوم وكأنه يتحرك فوق خط دقيق للغاية:
خط يفصل بين التحول إلى قوة عالمية مؤثرة… وبين السقوط في تناقضاته الداخلية.

فالتكتل الذي أراد أن يقدم نفسه كصوت موحد للجنوب العالمي، يكتشف تدريجيًا أن الجنوب نفسه ليس كتلة واحدة، بل عوالم مختلفة ومصالح متنافسة ورؤى متباينة للنظام الدولي.

السؤال الحقيقي الآن لم يعد فقط:
هل يستطيع البريكس منافسة الغرب؟

بل:
هل يستطيع البريكس أولًا أن يحافظ على وحدته الداخلية؟

لأن ما يجري داخل التكتل قد لا يكون مجرد خلافات دبلوماسية عابرة، بل بداية صراع طويل حول هوية البريكس نفسها:
هل سيكون مشروعًا لإصلاح العالم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى