الرياض لاعب محوري يقود التوازن في إعادة تشكيل الشرق الأوسط

 

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

في لحظة تبدو فيها المنطقة وكأنها تقف على حافة انفجار دائم، وبينما تتبادل القوى الكبرى الرسائل العسكرية في مضيق هرمز والبحر الأحمر وسماء الشرق الأوسط، تتحرك المملكة العربية السعودية في اتجاه مختلف تمامًا. ليس اتجاه التصعيد، بل اتجاه إعادة هندسة التوازنات الإقليمية نفسها. فخلف الضجيج العسكري، ووسط الانقسام الحاد بين معسكرات المواجهة والاحتواء، بدأت الرياض ترسم ملامح دور جديد يتجاوز صورتها التقليدية كقوة نفطية أو دولة محورية في الخليج، لتتحول تدريجيًا إلى لاعب يسعى لقيادة مشروع استقرار إقليمي طويل المدى.

واللافت أن هذا التحول لا يأتي عبر الشعارات، بل عبر مبادرات سياسية بدأت تلفت انتباه العواصم الكبرى. أحدث هذه المؤشرات ما كشفته تقارير فايننشال تايمز عن مبادرة سعودية تُناقش بهدوء خلف الكواليس، تقوم على طرح معاهدة “عدم اعتداء” بين إيران والدول الإقليمية، مستوحاة من نموذج اتفاقات هلسنكي عام 1975 التي ساهمت آنذاك في تثبيت توازنات الحرب الباردة الأوروبية بين الغرب والاتحاد السوفيتي.

هذه الفكرة وحدها تكشف حجم التحول الذي تعيشه المنطقة.

فلسنوات طويلة، كان الشرق الأوسط يُدار بمنطق الأحلاف العسكرية، وحروب الوكالة، والاستقطاب الحاد بين المحاور. لكن ما تقترحه الرياض اليوم يقوم على فلسفة مختلفة تمامًا: إدارة التوتر بدل الانفجار، واحتواء الخصوم بدل تحويل المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة. وهذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن إدراك سعودي متزايد بأن استمرار الحروب لم يعد يهدد فقط الأمن الإقليمي، بل مستقبل التنمية والتحول الاقتصادي الذي تسعى إليه المملكة ضمن رؤية 2030.

لقد غيّرت السنوات الأخيرة كثيرًا من الحسابات السعودية.
الهجمات على منشآت أرامكو عام 2019، والحرب في اليمن، والتوترات في الخليج، ثم الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية الأخيرة، كلها أظهرت أن المنطقة دخلت مرحلة يمكن فيها لأي شرارة أن تهدد الاقتصاد العالمي والطاقة والتجارة الدولية. ومن هنا بدأت الرياض تعيد تعريف مفهوم القوة: القوة لم تعد فقط في امتلاك السلاح أو التحالفات، بل في القدرة على منع الانفجار أصلًا.

ولهذا لم يكن التقارب السعودي الإيراني بوساطة صينية في مارس 2023 مجرد مصالحة دبلوماسية عابرة، بل نقطة تحول استراتيجية. فالمملكة أدركت أن استنزاف المنطقة في صراعات مفتوحة يخدم قوى كثيرة، لكنه يهدد مشروعها الداخلي الطموح. كما أدركت أن الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية لم يعد يضمن الاستقرار كما كان في العقود الماضية، خصوصًا مع التحولات في أولويات واشنطن وتراجع رغبتها في الانخراط العسكري المباشر طويل الأمد في الشرق الأوسط.

ومن هنا بدأت السعودية تتحرك وفق معادلة أكثر استقلالية.
علاقات متوازنة مع واشنطن، وانفتاح على الصين وروسيا، وحوار مع إيران، وشراكات اقتصادية عالمية، ومحاولة بناء موقع يسمح لها بلعب دور “صانع التوازنات” بدل الاكتفاء بدور الطرف داخلها.

المبادرة التي تحدثت عنها فايننشال تايمز تعبّر بوضوح عن هذا التوجه الجديد. فهي لا تقوم على إنهاء الخلافات جذريًا، لأن الرياض تدرك أن ذلك غير واقعي في المدى القريب، بل تقوم على فكرة أكثر براغماتية: كبح الحرب، وإدارة التنافس، ومنع الانزلاق نحو مواجهة شاملة قد تدمر المنطقة بأكملها.

وهنا يظهر التشابه مع اتفاقات هلسنكي في السبعينيات.
فأوروبا خلال الحرب الباردة لم تتوقف فيها الخصومات بين المعسكرين الشرقي والغربي، لكن تلك الاتفاقات ساهمت في خلق قواعد تمنع الانفجار المباشر وتحافظ على خطوط التواصل. والسعودية اليوم تبدو وكأنها تحاول بناء نسخة شرق أوسطية من هذا النموذج، تقوم على الاعتراف بواقع التنافس، لكن ضمن حدود تمنع الانهيار الكامل.

لكن ما يمنح الرياض وزنًا استثنائيًا في هذا الدور ليس السياسة فقط، بل التحول الاقتصادي الهائل الذي تعيشه المملكة. فالسعودية اليوم ليست مجرد أكبر مصدر نفط في العالم، بل واحدة من أسرع الاقتصادات تحركًا نحو التنويع والاستثمار في التكنولوجيا والطاقة المتجددة والبنية التحتية والذكاء الاصطناعي والسياحة والصناعات المستقبلية. هذا التحول جعل استقرار المنطقة بالنسبة للرياض ضرورة وجودية، لا مجرد هدف دبلوماسي.

وفي الوقت الذي تتعامل فيه قوى كثيرة مع الشرق الأوسط كساحة نفوذ أو صراع، تحاول المملكة إعادة تعريفه كساحة استثمار وربط اقتصادي عالمي. ولهذا ترتبط مشاريع مثل “نيوم”، والممرات اللوجستية، والاستثمارات العابرة للقارات، بفكرة أساسية: لا يمكن بناء مركز عالمي جديد وسط منطقة تحترق باستمرار.

كما أن صعود السعودية يأتي في لحظة يعاني فيها النظام الدولي نفسه من اهتزازات عميقة.
الولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض حلول منفردة كما بعد الحرب الباردة، وأوروبا منشغلة بأوكرانيا وأزماتها الداخلية، بينما تصعد الصين كلاعب اقتصادي وجيوسياسي ضخم. وفي هذا الفراغ النسبي، تحاول الرياض تقديم نفسها كقوة إقليمية قادرة على التحدث مع الجميع: واشنطن، بكين، موسكو، طهران، والعواصم العربية.

لكن الأهم ربما أن السعودية بدأت تدرك أن القوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس فقط بالنفوذ العسكري، بل بالقدرة على أن تصبح “مركز توازن” يحتاجه الجميع. ولهذا فإن المبادرات السعودية الأخيرة ليست مجرد تحركات دبلوماسية، بل محاولة لإعادة صياغة موقع المملكة في النظام الإقليمي والعالمي.

السؤال الآن ليس فقط: هل تنجح الرياض في كبح الحرب؟
بل: هل تتحول السعودية إلى القوة التي تعيد تعريف مفهوم الاستقرار في الشرق الأوسط؟

لأن ما يجري اليوم قد لا يكون مجرد سياسة تهدئة مؤقتة، بل بداية انتقال تاريخي من شرق أوسط تُديره الحروب… إلى شرق أوسط تحاول السعودية أن تديره بالتوازنات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى