فرنسا وإفريقيا… إرث السيطرة يطارد باريس

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه يوم الأربعاء

 

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

حين قال إيمانويل ماكرون في نيروبي، في مايو 2026، إن إفريقيا “لا تحتاج إلى مساعدات بقدر ما تحتاج إلى استثمارات”، وإن العلاقة الجديدة يجب أن تقوم على “السيادة” و”الشراكة”، بدا الخطاب في ظاهره محاولة فتح صفحة جديدة. لكن السؤال الحقيقي لم يكن في الكلمات التي قالها الرئيس الفرنسي، بل في المكان الذي قالها فيه: كينيا، دولة أنغلوفونية، لا تنتمي إلى الدائرة التقليدية لما سُمّي لعقود “فرانس أفريك”. كان ذلك بحد ذاته اعترافًا صامتًا بأن الأبواب القديمة بدأت تُغلق في وجه باريس، وأن فرنسا التي كانت تدخل إفريقيا من باب المستعمرات السابقة، تحاول اليوم إعادة التموضع من بوابة جديدة، بلغة جديدة، وأرقام جديدة، لكنها تحت ضغط قديم: كيف تحافظ على ما تبقى من نفوذها بعد أن انكشف الحساب؟ في قمة “Africa Forward” في نيروبي يومي 11 و12 مايو 2026، أعلنت فرنسا حزمة استثمارات بنحو 23 مليار يورو، منها 14 مليارًا من شركات فرنسية و9 مليارات من جهات إفريقية، في الطاقة والذكاء الاصطناعي والزراعة، في قمة وُصفت بأنها أول قمة فرنسية إفريقية كبرى تُعقد في دولة إفريقية ناطقة بالإنجليزية.
لكن قبل نيروبي، وقبل لغة “الشراكة المتكافئة”، هناك تاريخ أطول بكثير. فرنسا لم تغادر إفريقيا يوم رفعت أعلام الاستقلال في الستينيات؛ غادرت إداريًا وعسكريًا في الشكل، لكنها أبقت منظومةً من السيطرة غير المباشرة في الجوهر. هذه المنظومة لم تكن مجرد علاقة ثقافية أو دبلوماسية، بل شبكة مصالح امتدت عبر العملة، والقواعد العسكرية، والشركات الكبرى، والاتفاقيات الأمنية، والنخب السياسية، وأحيانًا عبر هندسة الخوف نفسه. خرجت فرنسا من الباب الرسمي للاستعمار، لكنها أبقت مفاتيح كثيرة: النقد، الموارد، الأمن، التدريب، العقود، والنفوذ على القرار السياسي.
لفهم ثقل هذا الإرث، يجب البدء من العملة. الفرنك الإفريقي CFA، الذي تستخدمه 14 دولة إفريقية في غرب ووسط إفريقيا، بقي لعقود واحدًا من أكثر رموز العلاقة غير المتكافئة بين باريس ومستعمراتها السابقة. صحيح أن المدافعين عنه يقولون إنه وفر استقرارًا نقديًا وتضخمًا أقل، لكن منتقديه رأوا فيه قيدًا على السيادة الاقتصادية. حتى عام 2019، كانت دول غرب إفريقيا الثماني في منطقة الفرنك ملزمة بإيداع 50% من احتياطاتها من النقد الأجنبي في حساب عمليات لدى الخزانة الفرنسية، قبل إعلان إصلاحات 2019/2020 التي ألغت هذا الالتزام لدول غرب إفريقيا، مع بقاء الجدل قائمًا حول عمق الإصلاح ومدى تحرر المنظومة فعلًا. هذا الرقم كثيرًا ما شُوّه في الخطاب السياسي باعتباره “50% من الصادرات”، وهو غير دقيق؛ لكنه في صورته الصحيحة أخطر سياسيًا: نصف الاحتياطيات الأجنبية كان يُدار ضمن آلية مرتبطة بالخزانة الفرنسية، أي إن السيادة النقدية لم تكن كاملة كما توحي أعلام الاستقلال.
ثم تأتي الموارد، وهنا يصبح الحساب أكثر حساسية. النيجر، مثلًا، لم تكن مجرد دولة فقيرة في الساحل، بل مصدرًا مهمًا لليورانيوم الذي يغذي جزءًا من المنظومة النووية الفرنسية. فرنسا تعتمد تاريخيًا على الطاقة النووية في نحو 70% من إنتاج الكهرباء، والنيجر كانت ثاني أكبر مورّد لليورانيوم إلى فرنسا خلال العقد السابق لانقلاب 2023، بحصة قُدّرت بنحو 20% من واردات فرنسا، خلف كازاخستان. حين يقرأ الإفريقي هذه المعادلة، يرى المفارقة العارية: بلد تُستخرج منه مادة استراتيجية تُنير أوروبا، بينما بقي هو نفسه غارقًا في فقر مزمن وضعف كهرباء وبنية تحتية. هنا لا يعود الحديث عن “شراكة”، بل عن بنية كاملة جعلت القيمة النهائية في الشمال، والمادة الخام في الجنوب.
ولم تكن النيجر وحدها. في مالي، الذهب؛ في الغابون، النفط والخشب والمنغنيز؛ في الكونغو وأنغولا ونيجيريا، الطاقة والأسواق؛ وفي وسط إفريقيا، الأخشاب والمعادن والممرات. شركات فرنسية كبرى مثل TotalEnergies وOrano وغيرها لم تكن مجرد فاعلين اقتصاديين عاديين، بل جزءًا من شبكة مصالح جعلت إفريقيا خزانًا للموارد وسوقًا للمنتجات والخدمات. التبادل التجاري الفرنسي الإفريقي يتجاوز عشرات المليارات من اليورو سنويًا، لكن جوهر الخلل ليس في الرقم بل في طبيعة التبادل: إفريقيا تصدّر غالبًا مواد خام منخفضة القيمة المضافة، وفرنسا تصدّر معدات وخدمات وتمويلًا ومعرفة ومنتجات أعلى قيمة. هذه هي الصيغة القديمة للاستعمار الاقتصادي: لا تحتاج إلى إدارة البلاد مباشرة إذا كنت تتحكم في ما تبيعه، وما تشتريه، وبأي عملة، ومن يوقع العقود.
وحين بدأ الوعي الإفريقي يسأل عن أصل المشكلة، جاءت مظلة “الأمن” لتغطي الكثير من الأسئلة. منذ يناير 2013، دخلت فرنسا مالي بعملية “سرفال” لوقف زحف جماعات مسلحة نحو باماكو، ثم تحولت العملية في أغسطس 2014 إلى “برخان”، التي امتدت عبر الساحل: مالي، النيجر، بوركينا فاسو، موريتانيا وتشاد، تحت شعار مكافحة الإرهاب. الرواية الرسمية الفرنسية تقول إن التدخل منع انهيار مالي وساعد على إعادة بناء القوات المحلية ومحاربة الجماعات الجهادية. لكن بعد تسع سنوات من الوجود العسكري، كان السؤال الشعبي في الساحل أكثر بساطة ومرارة: إذا كانت فرنسا جاءت لمحاربة الإرهاب، فلماذا تمدد الإرهاب؟ ولماذا أصبحت مناطق أوسع خارج سيطرة الدول؟ ولماذا تحولت القواعد العسكرية من حل مؤقت إلى وجود شبه دائم؟ وزارة الجيوش الفرنسية نفسها تؤرخ للمرحلة بين 2013 و2022 باعتبارها زمن سرفال وبرخان، وتقول إن آخر قوة فرنسية غادرت مالي في 15 أغسطس 2022، بعد تسع سنوات من الوجود.
هنا بدأ الانكشاف الحقيقي. الإرهاب كان موجودًا، وخطره كان فعليًا، ولا يمكن اختزاله في مؤامرة فرنسية؛ لكنه تحوّل سياسيًا إلى مظلة تُبقي الوجود العسكري وتمنحه شرعية دائمة. كانت القواعد تُقدَّم باعتبارها ضرورة أمنية، لكن استمرار الفوضى جعل جزءًا واسعًا من الرأي العام الإفريقي يرى أن الأمن أصبح سوقًا، وأن الخوف أصبح أداة حكم، وأن “مكافحة الإرهاب” غطت على شبكة نفوذ أعمق: حماية المصالح، تدريب الجيوش وفق عقيدة الخارج، شراء ولاءات بعض النخب، وتبرير بقاء قوات أجنبية في أرض يُفترض أنها مستقلة. لا يمكن إثبات أن فرنسا “نشرت الإرهاب” كسياسة مباشرة؛ لكن يمكن القول، بدقة، إن نموذجها الأمني فشل في احتوائه، وإن فشله الطويل جعل الاتهام السياسي قابلًا للتصديق لدى شعوب دفعت الثمن ولم ترَ النتائج.
في مالي تحديدًا، وصل الاحتقان إلى نقطة الانفجار. بعد انقلابَي 2020 و2021 وصعود المجلس العسكري، بدأت العلاقة مع باريس تتدهور سريعًا. في 17 فبراير 2022، أعلن ماكرون وشركاؤه الأوروبيون سحب قوات برخان وتاكوبا من مالي، لكن باماكو طالبت بخروج أسرع. وفي 15 أغسطس 2022، غادر آخر جندي فرنسي من قاعدة غاو، التي كانت أكبر قاعدة فرنسية في إفريقيا وقادرة على استضافة ما يصل إلى 3000 عسكري. هذا الخروج لم يكن انسحابًا لوجستيًا فقط، بل لحظة رمزية: الدولة التي دخلت باسم إنقاذ مالي خرجت تحت ضغط سلطة محلية ورأي عام لم يعد يقبل وصايتها.
ثم تكرر المشهد. في بوركينا فاسو، أنهت السلطات العسكرية اتفاق 2018 الخاص بوجود القوات الفرنسية، وطالبت بخروجها في يناير 2023، ثم تم الإعلان عن انسحاب آخر القوات في فبراير 2023. وفي النيجر، بعد انقلاب 26 يوليو 2023 على الرئيس محمد بازوم، جعل المجلس العسكري خروج فرنسا أحد مطالبه الأساسية. فرنسا قاومت سياسيًا في البداية، ورفضت الاعتراف بشرعية الانقلاب، ثم أعلن ماكرون في سبتمبر 2023 سحب نحو 1500 جندي بحلول نهاية العام. في 22 ديسمبر 2023، غادرت آخر القوات الفرنسية النيجر، في ثالث طرد أو انسحاب قسري من دولة ساحلية خلال أقل من 18 شهرًا. هذه ليست مصادفة سياسية؛ إنها انهيار متسلسل لهيكل نفوذ كان يُظن أنه ثابت.
فرنسا حاولت أن تسمي ذلك “إعادة تموضع”، لكن الذاكرة الإفريقية سمّته خروجًا تحت الضغط. في مالي، لم يكن الخروج سهلًا ولا باردًا؛ سبقه شد وجذب، اتهامات متبادلة، حرب إعلامية، وتدهور في العلاقات الدبلوماسية. من وجهة نظر باريس، لم تعد شروط التعاون مع المجلس العسكري متوافرة. ومن وجهة نظر باماكو، لم تعد فرنسا شريكًا موثوقًا بل قوة تحاول الحفاظ على امتيازاتها. الحقيقة السياسية تقع بين الروايتين: فرنسا فقدت القدرة على فرض تعريفها للأمن، ومالي استخدمت لحظة السيادة لاستبدال الشريك، لا لبناء نموذج مكتمل بالضرورة. لكن الأهم أن “الخوف من الإرهاب” لم يعد كافيًا لإسكات سؤال السيادة.
هنا دخلت روسيا. موسكو لم تدخل إلى مالي عبر خطاب التنمية ولا عبر ذاكرة استعمارية، بل عبر عرض أمني مباشر: سلاح، تدريب، مستشارون، دعم للنظام، ورسالة سياسية واضحة تقول: نحن لا نحاضركم في الديمقراطية وحقوق الإنسان كما يفعل الغرب. هذا العرض كان جذابًا لأن فرنسا تركت فراغ ثقة قبل أن تترك فراغًا عسكريًا. منذ 2021، ارتبط اسم مجموعة فاغنر بمالي، ثم جاءت إعادة تنظيم النفوذ الروسي في إفريقيا بعد تمرد فاغنر ومقتل يفغيني بريغوجين في 2023. ما حققته روسيا ليس “حلًا شاملًا”، بل اختراقًا سياسيًا سريعًا: أخرجت فرنسا من موقع الشريك الأمني الأول، وقدمت نفسها كحليف لا يربط الأمن بالشروط الغربية. لكن الوقائع على الأرض أكثر قسوة من الدعاية؛ تقارير دولية وصحفية عدة تحدثت عن انتهاكات واسعة ضد المدنيين وارتفاع العنف في مناطق عمليات الجيش المالي وشركائه الروس، بما يعني أن روسيا كشفت زيف “الاحتكار الفرنسي للأمن”، لكنها لم تثبت بعد أنها بنت أمنًا إنسانيًا مستدامًا.
بمعنى آخر، روسيا لم تكشف عورة فرنسا لأنها نجحت بالكامل، بل لأنها أظهرت أن فرنسا لم تكن قدرًا لا بديل له. بمجرد دخول منافس جديد، انهارت أسطورة “لا أمن دون باريس”. وهنا كان التحول النفسي أهم من التحول العسكري. الشعوب والأنظمة رأت أن بإمكانها طرد قوة كانت تُعامل كأنها جزء من الجغرافيا. وهذا وحده كان كافيًا لإسقاط هيبة قديمة. أما هل عالجت روسيا أصل المرض؟ فالجواب لا يزال مفتوحًا ومقلقًا؛ لأن الإرهاب لم ينتهِ، والعنف ضد المدنيين زاد في بعض المناطق، والدولة المالية لا تزال تواجه تحديًا وجوديًا في الشمال والوسط. لكن روسيا ربحت سياسيًا ما خسرته فرنسا رمزيًا: صورة الحليف الذي لا يأتي من الماضي الاستعماري.
ثم دخلت الصين، لكن من باب مختلف تمامًا. بكين لم تحتج إلى قواعد عسكرية كبيرة في الساحل لتفكيك النفوذ الفرنسي؛ دخلت عبر الطرق، الموانئ، السكك الحديدية، الاتصالات، الطاقة، والقروض. الصين بقيت أكبر شريك تجاري لإفريقيا لمدة 15 عامًا متتالية حتى 2024، وبلغت التجارة الصينية الإفريقية 282.1 مليار دولار في 2023، بينما تجاوز رصيد الاستثمار الصيني المباشر في إفريقيا 40 مليار دولار بنهاية 2023. هذه الأرقام لا تعني أن الصين ملاك اقتصادي؛ لديها ديون، شروط، مصالح، ومخاوف من تبعية جديدة. لكنها قدّمت شيئًا ملموسًا تفتقده الرواية الفرنسية: بنية تحتية مرئية. الطريق الذي يُبنى، الجسر الذي يُفتتح، الميناء الذي يعمل، أكثر إقناعًا من خطاب أمني لا ينتهي.
الفرق بين فرنسا والصين في عين كثير من الأفارقة ليس أخلاقيًا بقدر ما هو عملي. فرنسا تحدثت طويلًا عن الأمن والديمقراطية والفرنكوفونية، بينما ظل المواطن يرى البطالة وانقطاع الكهرباء والقواعد العسكرية. الصين جاءت بلغة أقل عاطفية: قرض، مشروع، تنفيذ، ميناء، طريق، شبكة. هذه البراغماتية لا تخلو من مخاطر، لكنها عرّت النموذج الفرنسي لأن باريس كثيرًا ما قدمت نفسها كحاملة “قيم”، بينما بدا أن القيمة الاقتصادية النهائية تعود إليها. الصين لم تُلغِ الاستغلال؛ لكنها غيّرت شروط المنافسة، وجعلت إفريقيا تملك بدائل تفاوضية.
أما دول الخليج، فدخلت من بوابة ثالثة: المال السيادي، الموانئ، الزراعة، الطاقة، الأمن الغذائي، والوساطة. الإمارات أصبحت لاعبًا استثماريًا بالغ الثقل في إفريقيا، مع تقديرات تحدثت عن التزامها بنحو 110 مليارات دولار بين 2019 و2023، منها 72 مليارًا للطاقة المتجددة، ما جعلها في بعض التقديرات أكبر مستثمر جديد في القارة في تلك الفترة. السعودية أعلنت في القمة السعودية الإفريقية الأولى في الرياض في 10 نوفمبر 2023 نيتها ضخ استثمارات تتجاوز 25 مليار دولار في إفريقيا حتى 2030، وتأمين 10 مليارات دولار من الصادرات، وتقديم أكثر من 5 مليارات دولار تمويلًا تنمويًا. هذه المقاربة الخليجية ليست جمعية خيرية؛ إنها بحث عن أمن غذائي، موانئ، معادن، أسواق، ونفوذ سياسي. لكنها أيضًا كسرت احتكارًا قديمًا: إفريقيا لم تعد مضطرة للذهاب إلى باريس أو بروكسل كلما أرادت تمويلًا.
وهذا بالضبط ما يرعب فرنسا: ليس أن روسيا أو الصين أو الخليج “أفضل” بالضرورة، بل أن وجودهم يمنح الدول الإفريقية شيئًا لم تكن تملكه سابقًا بالقدر نفسه: هامش الاختيار. حين يتعدد المشترون، يرتفع سعر المورد. حين يتعدد الممولون، تتراجع شروط الوصي القديم. حين يتعدد الشركاء الأمنيون، لا تعود القاعدة الفرنسية قدرًا. هنا انكشف جوهر المشكلة: فرنسا لم تكن قوية فقط لأنها تملك أدوات قوة، بل لأن إفريقيا كانت محاصرة داخل خيارات محدودة. ومع اتساع الخيارات، بدأ النفوذ الفرنسي يبدو أقل طبيعية وأكثر هشاشة.
ولذلك لا يمكن فصل الساحل عن شمال إفريقيا. الجزائر، المغرب، تونس وليبيا ليست مجرد جوار جغرافي؛ إنها ذاكرة استعمارية ومجال نفوذ وممر طاقة وهجرة وأمن. مع الجزائر، لا تزال ذاكرة الاستعمار بين 1830 و1962 وحرب التحرير بين 1954 و1962 جرحًا مفتوحًا، يظهر كلما تحدثت باريس عن الذاكرة أو الهجرة أو التأشيرات. مع المغرب، شهدت العلاقات توترات حول التأشيرات والموقف من الصحراء الغربية قبل أن تتحرك باريس لاحقًا لإعادة ضبط العلاقة. في تونس، بقيت فرنسا حاضرة في الاقتصاد والهجرة والديون والفرنكوفونية، وفي ليبيا كان التدخل الغربي عام 2011 أحد أبواب الفوضى التي ارتدت على الساحل كله، إذ ساهم انهيار الدولة الليبية في تدفق السلاح والمقاتلين نحو مالي وشمال إفريقيا. هنا تظهر الحلقة المكتملة: فرنسا تقول إنها جاءت إلى الساحل لمحاربة الإرهاب، لكن جزءًا من البيئة التي غذّت فوضى الساحل جاء من انهيار ليبيا بعد تدخل غربي كانت فرنسا في مقدمته.
ليس المقصود أن فرنسا وحدها صنعت كل أزمات إفريقيا. هذا تبسيط مريح لكنه غير دقيق. هناك فساد داخلي، نخب محلية انتفعت، جيوش استولت على السلطة، جماعات متطرفة، صراعات إثنية، فشل تنموي، وتنافس دولي شرس. لكن المقصود أن فرنسا لم تكن مراقبًا بريئًا. كانت جزءًا من بنية حكم ومال وأمن أبقت دولًا كثيرة ضعيفة بما يكفي لتحتاجها، وغنية بما يكفي لتفيدها. هذه هي المعادلة التي بدأت تتصدع.
حين تحاول باريس اليوم تغيير خطابها، فهي لا تفعل ذلك من موقع الرفاهية الأخلاقية، بل تحت ضغط الخسائر. خسرت مالي عسكريًا في 2022، بوركينا فاسو في 2023، النيجر في 2023، وبدأت لاحقًا عمليات إعادة ترتيب في تشاد والسنغال وساحل العاج. في السنغال، بدأ تسليم بعض القواعد الفرنسية عام 2025 ضمن مسار انسحاب أوسع بعد انتخاب باسيرو ديوماي فاي، الذي رفع شعار السيادة والعلاقة الندية. هذه الوقائع تقول إن فرنسا لم تعد قادرة على إدارة الوجود العسكري كما كانت تفعل لعقود.
لذلك جاء خطاب نيروبي عام 2026 محملًا باعتراف غير معلن: فرنسا تريد العودة إلى إفريقيا، لكن ليس من الباب القديم. تريد اقتصادًا بدل الجندي، استثمارًا بدل القاعدة، “شراكة” بدل الوصاية. أعلن ماكرون 23 مليار يورو، وتحدث عن السيادة والاستثمار والذكاء الاصطناعي والزراعة، في قمة ركزت على الانتقال من المساعدة إلى الاستثمار. لكن إفريقيا التي تسمع هذا الخطاب لا تسمعه كصفحة بيضاء؛ تسمعه وفي الخلفية ذاكرة الفرنك الإفريقي، اليورانيوم، برخان، غاو، نيامي، واغادوغو، والسنوات التي قيل فيها إن الوجود الأجنبي مؤقت ثم صار دائمًا.
هنا يصبح السؤال المركزي: هل تغيرت فرنسا فعلًا، أم فقط غيرت ملابسها؟ إذا كانت الشراكة الجديدة تعني نقل التكنولوجيا، تصنيعًا محليًا، قيمة مضافة داخل إفريقيا، احترامًا حقيقيًا للسيادة النقدية والأمنية، وإنهاء دعم النخب التابعة، فقد تكون بداية مراجعة. أما إذا كانت تعني فقط استبدال الجندي بالمستثمر، والقاعدة العسكرية بعقد الطاقة، والوصاية السياسية بلغة “إدارة المخاطر”، فإن القارة ستقرأها كما قرأت ما قبلها: استعمارًا غير مباشر بنبرة ناعمة.
المفارقة أن فرنسا لا تواجه اليوم شعوبًا ترفض الخارج لمجرد أنه خارج. إفريقيا لا تطرد الجميع. هي تستقبل الصين وروسيا وتركيا والخليج والولايات المتحدة والهند، لكنها تريد إعادة التفاوض على السعر والشروط والكرامة. المشكلة الفرنسية ليست أنها أجنبية فقط؛ المشكلة أنها أجنبية تحمل ذاكرة استعمارية ثقيلة، وتاريخًا من التدخل، وشبكة مصالح قديمة لم تعترف بها بالكامل. لهذا تبدو محاولاتها الجديدة غير مقنعة لدى قطاعات واسعة: لأن الاعتذار اللغوي لا يكفي إذا بقيت البنية كما هي.
وإذا أردنا تلخيص المشهد كله في جملة واحدة، فهي هذه: فرنسا خسرت احتكارها لتفسير إفريقيا. لم تعد وحدها من يقول ما هو الإرهاب، وما هو الاستقرار، ومن هو الشريك الشرعي، وأين تكون المصلحة. الأفارقة أنفسهم، ومعهم قوى جديدة، دخلوا غرفة القرار. وهذا لا يعني أن المستقبل سيكون عادلًا تلقائيًا؛ قد تستبدل القارة تبعية بتبعية أخرى، وقد تقع بين روسيا قاسية، وصين دائنة، وخليج مستثمر، وغرب غاضب. لكن الفرق الجوهري أن زمن الباب الواحد انتهى.
في النهاية، ليس السؤال: هل كانت فرنسا تستغل إفريقيا؟ الأدلة التاريخية والاقتصادية تقول إن العلاقة كانت، في كثير من مراحلها، غير متكافئة بعمق. السؤال الأدق هو: هل تستطيع فرنسا أن تقبل بإفريقيا لا تحتاجها كما كانت؟ هنا مأزق باريس الحقيقي. فمن اعتاد أن يكون الوصي، يصعب عليه أن يصبح مجرد شريك. ومن بنى نفوذه على الخوف، يصعب عليه أن يقنع الآخرين بأنه جاء هذه المرة بلا نية خفية.
لقد تأخرت الاستفاقة الإفريقية، وكلفت القارة كثيرًا: حروبًا، فقرًا، ديونًا، فسادًا، تبعية، وهجرة عقول. لكنها بدأت. وحين تستفيق الشعوب، لا تعود تقبل الرواية القديمة بسهولة. فرنسا اليوم لا تواجه انقلابًا في دولة واحدة، ولا احتجاجًا أمام سفارة، ولا صفقة روسية هنا أو صينية هناك. إنها تواجه انهيارًا تدريجيًا لصورة بنتها عن نفسها: صورة الشريك الضروري. وما إن يكتشف الناس أن “الضروري” يمكن استبداله، حتى تبدأ الإمبراطوريات غير المرئية في السقوط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى