الصين تنافس إمبراطورية العم سام: كيف غيّرت حقبة شي جين بينغ ميزان العالم؟

صورة با الذكاء الاصطناعي

واشنطن – نيويورك – زينة بلقاسم – عين اليمن الحر

حين وصل شي جين بينغ إلى السلطة في أواخر عام 2012، كانت الولايات المتحدة لا تزال القوة التي تبدو بلا منافس حقيقي. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، عاشت واشنطن أكثر من عقدين من الهيمنة شبه المطلقة على الاقتصاد العالمي، والتكنولوجيا، والمال، والإنترنت، والفضاء، والقوة العسكرية، وحتى الثقافة الرقمية. كانت الشركات الأمريكية تتحكم في محركات البحث، وأنظمة التشغيل، ومنصات التواصل، وسلاسل التمويل، والرقائق الإلكترونية، فيما كان الدولار يتحكم بمفاصل التجارة والطاقة والعقوبات والاقتصاد العالمي. في تلك المرحلة، بدت الصين بالنسبة للكثيرين مجرد “مصنع ضخم” للعالم، يعتمد على التصدير والعمالة الرخيصة، لكنه لا يملك بعد القدرة على قيادة التكنولوجيا أو إعادة تشكيل النظام الدولي.

لكن شي جين بينغ لم ينظر إلى الصين بهذه الطريقة.
منذ البداية، تعامل مع القرن الحادي والعشرين باعتباره لحظة انتقال تاريخية، لا مجرد مرحلة نمو اقتصادي. كان يدرك أن القوة الأمريكية لم تُبنَ فقط على حاملات الطائرات والقواعد العسكرية، بل على السيطرة على التكنولوجيا والتمويل والمعرفة والقدرة على كتابة قواعد العالم. ولهذا بدأ مشروعًا ضخمًا لإعادة صياغة الصين من “اقتصاد تابع للنظام العالمي” إلى “مركز مستقل قادر على تحدي هذا النظام نفسه”.

خلال عقد واحد فقط، تغيّر كل شيء تقريبًا.

في الاقتصاد، تحولت الصين من اقتصاد يعتمد أساسًا على التصنيع منخفض الكلفة إلى ثاني أكبر اقتصاد عالمي يقترب من منافسة الولايات المتحدة في الحجم الفعلي وتعادل القوة الشرائية. وفي التكنولوجيا، بدأت بكين باقتحام المجالات التي كانت لعقود حكرًا أمريكيًا: الذكاء الاصطناعي، الحوسبة الفائقة، شبكات الجيل الخامس، الفضاء، الروبوتات، السيارات الكهربائية، والطاقة المتجددة. لم تعد هواوي مجرد شركة اتصالات، بل تحولت إلى رمز لمواجهة جيوسياسية كاملة بين واشنطن وبكين. ولم تعد شركات مثل BYD وDJI وTencent وAlibaba مجرد أسماء آسيوية، بل منافسين عالميين يهددون الهيمنة الأمريكية في قطاعات كانت تُعتبر “أراضي أمريكية خالصة”.

حتى في مجال الفضاء، الذي كان طويلًا رمزًا للتفوق الأمريكي منذ هبوط أبولو على القمر عام 1969، بدأت الصين تتحرك بسرعة مذهلة. فقد بنت محطتها الفضائية الخاصة، وأطلقت برامج لاستكشاف القمر والمريخ، وبدأت تنافس الولايات المتحدة في الأقمار الصناعية والاتصالات الفضائية والتطبيقات العسكرية للفضاء. أما في الذكاء الاصطناعي، فقد أعلنت الصين منذ عام 2017 خطة وطنية تهدف إلى أن تصبح القوة الأولى عالميًا في هذا المجال بحلول 2030، وهو ما دفع واشنطن إلى اعتبار الذكاء الاصطناعي “معركة القرن”.

لكن أخطر تحول حدث في عهد شي جين بينغ لم يكن اقتصاديًا أو تكنولوجيًا فقط، بل جيوسياسيًا.
فالصين التي كانت لعقود تتجنب لعب دور سياسي عالمي مباشر، بدأت تتحول إلى قوة تعيد رسم النفوذ الدولي عبر مشروع “الحزام والطريق”، الذي امتد من آسيا إلى إفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية. لم تعد بكين تبيع البضائع فقط، بل تبني الموانئ، والسكك الحديدية، وشبكات الاتصالات، والبنى التحتية الرقمية، وتمنح القروض، وتدخل إلى المناطق التي كانت تاريخيًا ضمن النفوذ الغربي.

وهنا بدأ القلق الأمريكي الحقيقي.

فواشنطن لم ترَ في صعود الصين مجرد نمو اقتصادي طبيعي، بل رأت فيه أول تحدٍ حقيقي لهيمنتها منذ نهاية الحرب الباردة. لهذا بدأت إدارة ترامب الأولى بين 2017 و2021 حربًا تجارية واسعة ضد الصين، فرضت خلالها رسومًا جمركية وعقوبات على شركات التكنولوجيا الصينية، خصوصًا هواوي. ثم جاءت إدارة بايدن لتوسّع المواجهة من التجارة إلى التكنولوجيا المتقدمة، عبر منع تصدير الرقائق الإلكترونية المتطورة وأنظمة الذكاء الاصطناعي والحوسبة الفائقة إلى بكين.

لكن المفارقة أن الضغوط الأمريكية لم تؤدِّ إلى إبطاء الصين بقدر ما دفعتها إلى تسريع مشروع “الاستقلال التكنولوجي”.
فشي جين بينغ أدرك أن أخطر نقطة ضعف في الصين ليست الاقتصاد، بل اعتمادها على التكنولوجيا الغربية، خاصة الرقائق الإلكترونية. ولهذا ضخت بكين مئات المليارات في تصنيع أشباه الموصلات، وبناء منظومات تشغيل محلية، وتطوير الذكاء الاصطناعي الوطني، حتى لا تبقى رهينة للقرار الأمريكي.

وفي الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة منشغلة بصراعات داخلية واستقطاب سياسي حاد، كانت الصين تبني بصمت نموذجًا طويل النفس قائمًا على التخطيط المركزي والاستثمار في المستقبل. وبينما اعتمد الغرب لسنوات على فكرة أن السوق الحرة وحدها ستقود العالم، كانت بكين تدمج بين قوة الدولة والقطاع الخاص والتكنولوجيا في نموذج هجين أثبت فعالية كبيرة في مجالات عدة.

لكن هل تجاوزت الصين الولايات المتحدة فعلًا؟

الإجابة أعقد من مجرد نعم أو لا.
فالولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية الأولى عالميًا، وصاحبة أكبر نفوذ مالي، والدولار لا يزال العملة المهيمنة، كما أن الشركات الأمريكية ما زالت تقود كثيرًا من الابتكارات في البرمجيات والذكاء الاصطناعي والجامعات والبحث العلمي. لكن في المقابل، أصبحت الصين اليوم المنافس الوحيد القادر على تحدي واشنطن في وقت واحد اقتصاديًا، وتكنولوجيًا، وصناعيًا، وجيوسياسيًا.

الخطر الحقيقي بالنسبة لأمريكا ليس أن الصين أصبحت قوية فقط، بل أنها أصبحت قادرة على خلق نظام موازٍ.
نظام يعتمد على التجارة باليوان، والبنية التحتية الصينية، والتكنولوجيا الصينية، والمنصات الصينية، وحتى الذكاء الاصطناعي الصيني. وهذا تحديدًا ما يجعل الصراع الحالي أعمق من مجرد حرب تجارية؛ إنه صراع على شكل العالم القادم.

ولهذا يكتسب اللقاء المرتقب بين دونالد ترامب وشي جين بينغ أهمية استثنائية.
فترامب، الذي يعود إلى المشهد الأمريكي بخطاب أكثر حدة تجاه الصين، يدرك أن واشنطن لم تعد تواجه مجرد منافس اقتصادي، بل مشروعًا حضاريًا يريد إعادة توزيع القوة عالميًا. لكن الطريقة المثلى لاستعادة القيادة الأمريكية قد لا تكون فقط عبر العقوبات أو الحروب التجارية.

فالولايات المتحدة، لكي تستعيد زمام التفوق، تحتاج أولًا إلى معالجة أزماتها الداخلية: الاستقطاب السياسي، تراجع الثقة بالمؤسسات، أزمة التعليم، ضعف البنية التحتية، وتراجع القدرة الصناعية في بعض القطاعات. كما تحتاج إلى استثمار ضخم ومستدام في البحث العلمي والذكاء الاصطناعي والرقائق والطاقة، بدل الاعتماد فقط على العقوبات لإبطاء الخصم.

وفي الوقت نفسه، تحتاج واشنطن إلى إعادة بناء تحالفاتها العالمية، لأن مواجهة الصين منفردة لم تعد ممكنة. أوروبا، والهند، واليابان، وكوريا الجنوبية، ودول الخليج، كلها أصبحت أطرافًا أساسية في معادلة التكنولوجيا والطاقة وسلاسل الإمداد. العالم لم يعد أحادي القطب كما كان بعد 1991، بل دخل مرحلة تعددية معقدة تتنافس فيها القوى الكبرى على النفوذ والمعرفة والبيانات.

لكن وسط كل هذا السباق، يبرز خطر أكبر من الصين وأمريكا معًا: الذكاء الاصطناعي الوكيل.
فالعالم يدخل اليوم مرحلة تصبح فيها الخوارزميات قادرة على اتخاذ قرارات، وإدارة أنظمة، وتحريك أسواق، وصناعة رأي عام، وربما حتى إدارة حروب سيبرانية دون تدخل بشري مباشر. وإذا كانت الحرب الباردة قد قامت على سباق السلاح النووي، فإن الحرب الباردة الجديدة تقوم على سباق الذكاء الاصطناعي.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى في عصر شي جين بينغ:
الصراع لم يعد فقط على من يملك القوة، بل على من يملك المستقبل نفسه.
وللمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام خصم لا يريد فقط منافستها داخل النظام العالمي، بل إعادة كتابة قواعد هذا النظام بالكامل.
المقال ١١٣: زينة بلقاسم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى