العالم يواجه فيروس ” هانتا”

الخلاصة صورة تعبيرية- فيروس هانتا
نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
أعاد تفشي فيروس “هانتا” على متن السفينة السياحية MV Hondius قبالة سواحل غرب إفريقيا فتح ملف واحد من أخطر الفيروسات النادرة التي طالما ارتبطت بالقوارض والأماكن المعزولة. الحادثة، التي بدأت بإصابة عدد من الركاب وانتهت بوفاة ثلاثة أشخاص على الأقل مع تسجيل حالات حرجة أخرى، دفعت منظمة الصحة العالمية إلى التدخل وفرض إجراءات حجر ومراقبة صارمة، وسط مخاوف من احتمال انتقال العدوى بين البشر، وهو سيناريو نادر لكنه شديد الخطورة إذا تأكد ارتباطه بسلالة “أنديز” من الفيروس.
السفينة، التي كانت تقوم برحلة استكشافية بين الأرجنتين والرأس الأخضر، تحولت خلال أيام إلى ما يشبه المختبر الوبائي العائم، بعدما ظهرت أعراض حادة على بعض الركاب، شملت الحمى وضيق التنفس والإجهاد الشديد، قبل أن تتدهور حالات بعضهم سريعًا. التحقيقات الأولية أشارت إلى أن مصدر العدوى ربما كان أحد الركاب الذين تعرضوا للفيروس قبل الصعود إلى السفينة، خصوصًا أن الرحلة انطلقت من مناطق في أمريكا الجنوبية تُعرف بوجود سلالة “أنديز” القادرة في حالات نادرة على الانتقال من إنسان لآخر.
فيروس هانتا ليس فيروسًا جديدًا، لكنه ظل لعقود مرضًا نادرًا نسبيًا مقارنة بالأوبئة العالمية الكبرى. ينتمي الفيروس إلى عائلة “Orthohantavirus”، وينتقل أساسًا عبر القوارض، خصوصًا الفئران والجرذان، التي تحمل الفيروس دون أن تظهر عليها أعراض. العدوى تحدث غالبًا عندما يستنشق الإنسان جزيئات دقيقة ملوثة ببول أو براز أو لعاب القوارض، أو عند لمس أسطح ملوثة ثم لمس الأنف أو الفم. وفي بعض الحالات الأقل شيوعًا، قد ينتقل عبر العض أو الطعام الملوث.
تكمن خطورة هانتا في أن أعراضه الأولية تبدو في البداية شبيهة بالإنفلونزا العادية، ما يجعل اكتشافه المبكر صعبًا. تبدأ الإصابة عادة بحمى وآلام عضلية وصداع وإرهاق شديد، ثم تتطور لدى بعض المرضى إلى مرحلة أخطر تشمل السعال وضيق التنفس الحاد وتجمع السوائل في الرئتين، فيما يُعرف بـ “متلازمة هانتا الرئوية”. وفي بعض السلالات، خاصة الموجودة في آسيا وأوروبا، يهاجم الفيروس الكلى ويسبب نزيفًا وفشلًا كلويًا. معدلات الوفاة تختلف حسب السلالة، لكنها قد تصل إلى ما بين 30% و40% في الحالات الرئوية الحادة.
ورغم أن الفيروس معروف منذ عقود، فإن العالم لم يبدأ بإعطائه اهتمامًا واسعًا إلا بعد تفشيه الشهير عام 1993 في منطقة “Four Corners” بالولايات المتحدة، وهي منطقة تلتقي فيها حدود أربع ولايات أمريكية. آنذاك، أصيب عدد من الأشخاص الأصحاء فجأة بفشل تنفسي حاد وغامض، قبل أن يكتشف الباحثون سلالة جديدة سُمّيت لاحقًا “Sin Nombre virus”. تلك الحادثة شكلت نقطة تحول في فهم الفيروس، وربطت بين التغيرات البيئية والمناخية وازدياد أعداد القوارض الحاملة للعدوى.
لاحقًا، ظهرت سلالات أخرى في أمريكا الجنوبية، أبرزها “فيروس أنديز” الذي تم اكتشافه في الأرجنتين وتشيلي منتصف التسعينيات. هذه السلالة تحديدًا أثارت اهتمام العلماء لأنها الوحيدة التي وُثقت بشأنها حالات انتقال محدودة بين البشر، خصوصًا بين المخالطين المقربين. ومع أن هذا النوع من الانتقال يظل نادرًا، إلا أنه يجعل أي تفشٍّ داخل أماكن مغلقة—مثل السفن أو الثكنات أو المخيمات—محل قلق خاص لدى السلطات الصحية.
حادثة السفينة الحالية أعادت أيضًا إلى الأذهان العلاقة المعقدة بين الأوبئة والسفر العالمي. فالسفن السياحية لطالما كانت بيئات مثالية لانتشار الأمراض المعدية بسبب الاكتظاظ وصعوبة العزل وسرعة الاختلاط، وهو ما ظهر سابقًا خلال جائحة كوفيد-19 وأيضًا في تفشيات النوروفيروس وأمراض الجهاز التنفسي الأخرى. إلا أن تفشي هانتا على متن سفينة يبقى حدثًا نادرًا جدًا، ما يفسر حجم الاهتمام الدولي بالقضية.
ولا ينفصل الحديث عن هانتا اليوم عن التغيرات البيئية والمناخية. فالدراسات تشير إلى أن إزالة الغابات، والتوسع الزراعي، وارتفاع درجات الحرارة، والتغير في أنماط الأمطار، كلها عوامل تؤثر على حركة القوارض وتدفعها أكثر نحو المناطق المأهولة بالبشر. كما أن الظواهر المناخية الحادة قد تؤدي إلى انفجار أعداد القوارض في بعض المناطق، ما يزيد فرص انتقال الفيروس إلى الإنسان.
حتى الآن، لا يوجد علاج نوعي أو لقاح فعال معتمد ضد فيروس هانتا، وتعتمد الرعاية الطبية أساسًا على التدخل المبكر ودعم التنفس والحفاظ على وظائف الأعضاء. ولهذا السبب، يبقى الوقاية وتجنب التعرض للقوارض والبيئات الملوثة أهم وسائل الحماية، خاصة في المناطق الريفية أو أثناء الرحلات البرية والاستكشافية.
ورغم أن منظمة الصحة العالمية تؤكد أن خطر تحول الحادثة الحالية إلى وباء عالمي لا يزال منخفضًا، فإن ما حدث على متن السفينة قبالة غرب إفريقيا يعكس حقيقة مهمة: العالم، بعد كوفيد، أصبح أكثر حساسية تجاه أي مرض غامض يظهر في بيئة مغلقة وعابرة للحدود. وبينما تتواصل التحقيقات لمعرفة ما إذا كانت العدوى انتقلت فعلًا بين الركاب، يبقى فيروس هانتا تذكيرًا بأن بعض أخطر التهديدات الصحية قد تأتي من أمراض نادرة وصامتة، لكنها قادرة على التحول إلى أزمة دولية في لحظة واحدة.




