الجبهة الجديدة لحرية الصحافة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

عين اليمن الحر – نقلا من
“Clear Voices. Global Impac
–

بقلم: أحمد فتحي
في اليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي يوافق الثالث من مايو، تعود إلينا اللغة المألوفة نفسها: حرية التعبير، الصحافة المستقلة، والمساءلة العامة. وهذه كلها مبادئ أساسية لا غنى عنها. لكن في أجزاء واسعة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لم تعد هذه اللغة وحدها تكفي لوصف ساحة المعركة كاملة.
فالضغط على الصحافة لم يعد محصورًا في غرفة الأخبار، أو في مكتب الرقيب، أو في المطبعة. اليوم، يمتد هذا الضغط ليطال الصحف، والمنصات الرقمية، والقنوات، والمعلقين، والصحفيين المستقلين، جميعًا داخل فضاء معلوماتي واحد متنازع عليه. وهذا الفضاء بات، إلى حد كبير، فضاءً رقميًا: هناك يقرأ الجمهور، ويشاهد، ويشارك، ويجادل، ويتفاعل في الزمن الحقيقي؛ وهناك أيضًا تُحجب المواقع، وتتحول الصياغات القانونية إلى أدوات قابلة للاستخدام ضد أي صوت مزعج، وتسبق حملات الترهيب سرعة التغطية، بينما يؤدي الضعف الاقتصادي دورًا يشبه الرقابة، ولكن من دون ضجيج المنع الرسمي. وقد حذّرت مراسلون بلا حدود في مؤشرها لعام 2025 من أن الضغوط الاقتصادية أصبحت تهديدًا كبيرًا ومتزايدًا، بل “خفيًا” في كثير من الأحيان، لحرية الإعلام عالميًا، بما في ذلك في المنطقة.
هذا التحول غيّر معنى حرية الصحافة نفسها. فلم يعد السؤال فقط: هل يُسمح للصحفي بالنشر من الناحية الشكلية؟ بل أصبح: هل ما زالت الأصوات المستقلة قادرة على العمل، والوصول إلى الجمهور، والتحقق من المعلومات، ومساءلة السلطة، والبقاء مرئية في المساحات التي يجري فيها النقاش العام فعلًا؟ ولهذا السبب، تندرج القضية مباشرة ضمن منطق الهدف 16.10 من أهداف التنمية المستدامة، الذي يدعو إلى “ضمان وصول الجمهور إلى المعلومات وحماية الحريات الأساسية”.
وتستحق مصر اهتمامًا خاصًا، لا لأنها دولة عربية كبرى فقط، بل لأنها أيضًا إحدى أهم نقاط الثقل الإعلامي والسياسي والثقافي في المنطقة. ما يحدث فيها غالبًا لا يبقى داخل حدودها. حجمها يمنحها وزنًا إقليميًا، وإرثها الإعلامي يمنحها تأثيرًا أوسع، وبيئتها الرقمية تقدم أحد أوضح الأمثلة على كيفية اندماج أدوات المنع القديمة مع وسائل التقييد الحديثة. في مصر، لا تتمثل المشكلة فقط في وجود الصحافة أو عدم وجودها، بل في قدرتها على الوصول إلى الناس بصورة ذات معنى. قد تنشر المنصة ما تريد، لكن إذا تعذر على الجمهور داخل البلد الوصول إليها بسهولة، فإننا لا نكون أمام رقابة بالمعنى التقليدي فقط، بل أمام شكل من أشكال السيطرة عبر الحجب والعزل. وتقول مراسلون بلا حدود إن المؤسسات التي ترفض الخضوع للرقابة تتعرض للحجب، وتذكر من بينها موقع مدى مصر، المحجوب داخل مصر منذ عام 2017. كما ذكرت لجنة حماية الصحفيين أن مصر حجبت في 2025 منصة “زاوية 3” المستقلة التي تتخذ من بروكسل مقرًا لها، في إشارة جديدة إلى استمرار الضغط على الإعلام المستقل.
وهذا لا يخص المهنة وحدها. فعندما يضيق الوصول، يضيق معه المجال العام نفسه. بعض الأصوات تظل أفضل حماية، وأكثر قدرة على البقاء، وأكثر تمويلًا واتصالًا من غيرها. وأصوات أخرى يصبح تهميشها ودفعها خارج المشهد أسهل بكثير. وهنا تلتقي حرية الصحافة مع الهدف 10 من أهداف التنمية المستدامة. فعدم المساواة ليس اقتصاديًا فقط، بل يتعلق أيضًا بعدم المساواة في الظهور، والحماية القانونية، والوصول إلى المعلومات، والمشاركة في المجال العام.
وفي أماكن أخرى من المنطقة، يتغير الشكل لكن النتيجة تكاد تبقى واحدة.
في العراق، تقول مراسلون بلا حدود إن الضمانات الدستورية لحرية الصحافة تصطدم بقوانين قائمة متناقضة، وبالعودة المتكررة لمشاريع قوانين الجرائم الإلكترونية. كما ذكرت فريدوم هاوس أن حرية الإنترنت في العراق بقيت مقيّدة، مع استمرار حجب مواقع واعتقال مستخدمين بسبب التعبير عبر الإنترنت. العراق يوضح أن خنق المجال العام في العصر الرقمي لا يحتاج دائمًا إلى هيمنة كاملة على الإعلام، بل يكفي أحيانًا قانون مبهم، وتطبيق انتقائي، ورسالة مفهومة للجميع بأن السقف موجود حتى لو لم يُعلن بوضوح.
أما تونس، فتقدم نموذجًا أكثر إجرائية. فقد ذكرت لجنة حماية الصحفيين في يناير 2025 أن تونس سجلت عددًا قياسيًا من الصحفيين المسجونين، وأن كثيرًا منهم أُودعوا السجن بموجب المرسوم 54، وهو قانون للجرائم الإلكترونية بات يُستخدم على نحو متزايد ضد الصحافة والتعليق العام. هنا، لا تصبح العقوبة هي القضية وحدها، بل يصبح المسار نفسه جزءًا من العقوبة، وجزءًا من التحذير الموجه للجميع.
ويقدم لبنان نموذجًا أكثر تفتتًا. فالضغط على الصحافة هناك لا يأتي من رقيب مركزي واحد، بل من تراكب الصراع، وانعدام الأمان، والانهيار الاقتصادي، والملاحقات القانونية في وقت واحد. وفي مارس 2025، انضمت لجنة حماية الصحفيين إلى عشرات المؤسسات الإعلامية والحقوقية للدفاع عن منصتي درج وميغافون في مواجهة ما وصفته بتصاعد المضايقات القانونية. كما حذّرت مراسلون بلا حدود من أن الضغوط السياسية والمالية ما زالت تثقل كاهل الإعلام اللبناني.
وعند جمع هذه الحالات معًا، يتضح أن حرية الصحافة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم تعد تُفهم من خلال قالب واحد قديم. الخيط المشترك بينها جميعًا هو الفضاء الرقمي. هناك تنتشر الصحافة اليوم، وهناك تتحرك حملات الترهيب بأقصى سرعة، وهناك يتغلغل القانون إلى التعبير اليومي بعمق أكبر. ولهذا السبب أيضًا، تلامس القضية بشكل متزايد الهدف 9 من أهداف التنمية المستدامة، خصوصًا حين يصبح الوصول إلى أنظمة الاتصال والمعلومات هو ما يحدد من يستطيع دخول النقاش العام ومن يُترك خارجه. كما يكتسب المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان معنى أكثر إلحاحًا هنا، إذ تنص على الحق في “التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين بأي وسيلة ودونما اعتبار للحدود”. وفي المنطقة اليوم، لا يختبر هذا المبدأ نفسه داخل المحاكم والوزارات فقط، بل عبر البنية الرقمية التي باتت تشكل جزءًا من الحياة العامة ذاتها.
لا يزال اليوم العالمي لحرية الصحافة مهمًا. لكن معناه في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تغيّر. فالسؤال المركزي لم يعد فقط ما إذا كان الصحفي قادرًا على النشر، بل ما إذا كان الصحفيون، والمذيعون، والمحررون، والمنصات المستقلة، ما زالوا قادرين على العمل، والتحقق من الحقائق، ومساءلة السلطة، والبقاء مسموعين داخل فضاء عام تعيد تشكيله ضغوط تتحرك اليوم بسرعة الإنترنت. وهذه لم تعد مجرد قضية تخص حرية الصحافة وحدها. إنها أيضًا قضية هدف 16 تتعلق بالحقوق والمؤسسات، وقضية هدف 10 تتعلق بعدم المساواة في المشاركة، وبشكل متزايد، قضية هدف 9 تتعلق بمن يستطيع فعليًا الوصول إلى البنية التي تمر من خلالها الحياة العامة الحديثة.
عن الكاتب: أحمد فتحي صحفي ذو انتشار دولي، ومراسل معتمد لدى الأمم المتحدة، ومحلل للشؤون العالمية، ومعلق في قضايا الحقوق والحريات. يكتب عن الدبلوماسية، والتعددية الدولية، وتوازنات القوة، والحريات العامة، والسياسات التي تعيد تشكيل مستقبل العالم.




