من مدن 2030 إلى سباق التسلح: الخليج يشتري الأمن.. واللبنانيون يدفعون ثمن العاصفة

“كنا نعيش بألف خير قبل الحرب”، هكذا كانت دول الخليج تداعب المستقبل في برامج رؤية 2030 و2025، وتملأ مدنها بمشاريع اقتصادية وسياحية وعلمية، لتجد نفسها فجأة تُستدعى إلى عالم آخر: عالم الغارات والصواريخ والتحذيرات الجوية.
وكأن كل حسابها الاستراتيجي قد سُحب من ملفات التطوير ووُضع في ملفات الحرب؛ من شرق المملكة إلى شواطئ الخليج، انتقل الواقع من نقاشات حول التنوع الاقتصادي وريادة الابتكار إلى حوار يومي عن مدى قدرة الدفاع الجوي على اعتراض “الدرونز”، وتجاوز التواصل بين الرؤساء اتصالات رجال الأعمال والمهندسين.
وبمزيج من السخرية والمرارة، تحولت “برامج 2030” إلى برامج للدفاع الجوي، واستُبدلت خطة بناء المدن الذكية، بدرجة ما، بخطط بناء الأنظمة المضادة للصواريخ. لقد انتقل الخليج إلى عصر الحروب، في الوقت الذي كان يُفترض فيه أن يكون قد بدأ الانتقال نحو العيش في الكواكب الخارجية.
ومن التهافت نحو الفضاء إلى تهافت غير مسبوق على طاولة السلاح الأمريكية؛ كشفت وثائق أمريكية رسمية أن دول الخليج، بقيادة السعودية والإمارات والكويت، رفعت طلبات شراء أسلحة ومعدات بقيمة تجاوزت 36 مليار دولار في الربع الأول من العام الحالي، في إشارة واضحة إلى أن العالم قد حوّل مساره من “مدن المعرفة” إلى “مدن التحصن” والقباب والرادارات.
في آذار 2026، لم تعد صفقات السلاح الخليجية مجرد أرقام، بل لحظة اعتراف صامت بأن الطريق قد تغير؛ فما كان يُبنى للمستقبل بات يُعاد توجيهه لحماية الحاضر الذي تحكمه صواريخ “باتريوت” والطائرات المسيرة. وكأن المنطقة التي راهنت على المعرفة والازدهار وجدت نفسها تعود، مرغمة، إلى لغة لم تكن تعتمد عليها.
إن القدرة على شراء الأسلحة من الولايات المتحدة ليست في متناول اليد دائماً؛ فهناك وعود مؤجلة، وتسليمات مشروطة، وإيقاع تحدده واشنطن التي توسع ترسانتها لأنها خسرت الكثير منها خلال عمليات “مطرقة منتصف الليل” و”زئير الأسد” و”الغضب الملحمي”.
في عام 2026، لم يعد الخليج يشتري السلاح فحسب، بل يشتري الوقت ويدفع ثمن القلق الأمني بأعلى فوائده السياسية. فسباق التسلح هناك يتسارع على إيقاع منطقة مضطربة، حيث تتجه الدول الخليجية إلى تدعيم دفاعاتها الجوية والصاروخية ورفع جاهزية مخزوناتها، وفتحت أبواب التسلح على أكثر من جهة، من الولايات المتحدة إلى كوريا الجنوبية وأوروبا، في محاولة واضحة لكسر الاعتماد على مظلة واحدة. ما يجري اليوم ليس مجرد تحديث عسكري، بل هو مؤشر صارخ على اهتزاز الثقة بالضمانات الأمنية، وخشية عميقة من أن يكون المستقبل الإقليمي أكثر تقلباً من أي وقت مضى.
بشيء من السخرية الصامتة، يدفع الخليج اليوم ثمن حرب لم يخترها، ويعيد ترتيب أولوياته تحت ضغط الخوف لا تحت إيقاع التنمية؛ فالمليارات تتجه إلى الصواريخ والرادارات بدلاً من الاستثمار، والتجارة تتحرك بحذر، والاقتصاد القائم على النمو أصبح في خطر، فلحظة تصعيد واحدة يمكن أن تبتلع الرفاهية. وفي الخلفية، يعلو صوت خليجي غاضب يرى أن دونالد ترامب جرّ المنطقة إلى مواجهة واسعة ثم تركها تبحث وحدها عن مظلة حماية أكثر اتساعاً وأقل وهماً.
في خطوة بدت أقرب إلى كسر مدروس للقواعد، أعلنت الإمارات خروجها من “أوبك” بعد ستة عقود، متحررة من قيود الحصص، ومحوّلة نفسها إلى لاعب نفطي مستقل يدير نحو خمسة ملايين برميل يومياً وفق حساباته السيادية. لا يُقرأ القرار اقتصادياً فحسب، بل هو قرار سياسي بامتياز؛ في لحظة يختلط فيها أمن الطاقة بمعادلات القوة، حيث عاد ربط النفط بالحماية والمصالح، على وقع التوترات الإيرانية وتهديدات مضيق هرمز.
وخلف الأبواب المغلقة، وبعيداً عن أعين مراسلي البيت الأبيض، طغى ملف انسحاب الإمارات من “أوبك” على لقاء الملك تشارلز بالرئيس ترامب، حيث حث الأخير الملك على دعم زيادة الإنتاج الإماراتي، في خطوة تهدف إلى دفع أسعار النفط إلى ما دون 80 دولاراً للبرميل، وممارسة ضغط اقتصادي على إيران دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية. هذا التوجه يمنح الإمارات مساحة إنتاجية أوسع داخل لعبة المصالح، إلى جانب تخفيف الضغط على سوق النفط العالمي.
في قلب حرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تلك التي أشعلها ولا تزال نتيجة الصراع فيها مبهمة، يعيش اللبنانيون في الحضن الخليجي الدافئ حياة رنّ فيها الجرس فجأة، ليس بفقدان وظائف أو بحبوحة مالية فحسب، بل بإحداث تمزق بين وطن ينادي بحرارة ومدن خليجية كانت وطناً ثانياً. نحو 600 ألف مغترب لبناني يكافحون اليوم ضد التسريحات وجمود الأعمال وسط اهتزاز أسواق النفط بعد خروج الإمارات من “أوبك” وإغلاق مضيق هرمز، وهي العوامل الأكبر في ارتفاع الأسعار والاضطرابات التي تحد من قدرتهم وقوتهم، وتهدد تحويلاتهم البالغة نحو 6.5 مليار دولار سنوياً إلى ذويهم في لبنان؛ ذلك الوطن الهش النابض الذي يقاوم الانهيار بعرق جبينهم ووفائهم الأبدي لمسقط رؤوسهم.




