كلمة تُسيل نزيف الاقتصاد العالمي… وبوادر تغيّر في التحالفات الدولية

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
حين وقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (Donald Trump) ليعلن في خطابه إلى الأمة أن الحرب على إيران “تقترب من نهايتها خلال أسبوعين إلى ثلاثة”، لم يكن ذلك خطاب إنهاء بقدر ما كان إعلانًا لمرحلة أكثر خطورة؛ مرحلة لا تُحسم فيها الحرب عسكريًا بقدر ما تُفتح فيها جبهات الاقتصاد والتحالفات العالمية. فبحسب ما نقلته CNN وغطته لاحقًا الإيكونوميست (The Economist)، فإن الرسالة الأهم لم تكن توقيت نهاية الحرب، بل مضمونها: تصعيد الضربات، والانسحاب لاحقًا، وترك مضيق هرمز ليفتح نفسه طبيعيًا.
هذا التصور، الذي يمكن تلخيصه بعبارة “اضرب ثم انسحب”، لم يطمئن الأسواق، بل فعل العكس تمامًا. فبعد الخطاب مباشرة، ارتفعت أسعار النفط إلى حدود 108 دولارات للبرميل، في حين تراجعت الأسواق العالمية بشكل جماعي، حيث انخفض مؤشر S&P 500 بنحو 2%، وتراجع Stoxx Europe 600 الأوروبي، بينما سجلت الأسواق الآسيوية خسائر مماثلة. ووفق تحليل واشنطن بوست (The Washington Post)، فإن الأسواق لم تتفاعل مع الحرب بحد ذاتها، بل مع فكرة غياب خطة واضحة لما بعد الحرب، خصوصًا فيما يتعلق بمضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل يوميًا وفق بيانات EIA.
ومن هنا، لم يعد النفط يُسعّر بناءً على الإمدادات فقط، بل على أساس سؤال واحد: من سيؤمّن هذا المضيق؟ فبينما قال ترامب صراحة، وفق مقابلات نقلتها CNN:
“على الحلفاء أن يقوموا بالمهمة… لماذا أفعلها أنا؟”
جاء الرد الأوروبي سريعًا وحاسمًا. فقد صرّح رئيس الوزراء البريطاني:
“هذه ليست حربنا… ولن ننجر إليها”
كما نقلت سكاي نيوز وBBC، وهو موقف كرّره مسؤولون أوروبيون عدة، مؤكدين أن الأولوية هي “خفض التصعيد وليس توسيع الصراع”.
هذا الرفض لم يكن سياسيًا فقط، بل اقتصاديًا أيضًا. فبحسب ذي تايمز (The Times)، تواجه أوروبا صدمة طاقة مباشرة، حيث ارتفعت فاتورة واردات الوقود بأكثر من 14 مليار يورو خلال أسابيع، فيما توقفت أو تعطلت حركة ما يقارب 1000 سفينة نتيجة إغلاق مضيق هرمز، وفق تقديرات نقلتها CNN. وهذا ما دفع بريطانيا إلى عقد قمة افتراضية ضمت 35 دولة لمحاولة إعادة فتح المضيق، في مشهد لافت غابت عنه الولايات المتحدة، وهو ما اعتبرته الصحيفة “إشارة رمزية إلى بداية تحرك دولي خارج المظلة الأمريكية”.
وفي هذا السياق، لم تتوقف الأزمة عند حدود الطاقة، بل امتدت إلى بنية التحالفات نفسها. فقد صعّد ترامب هجومه على الناتو، واصفًا إياه في مقابلة مع The Telegraph بأنه:
“نمر من ورق (paper tiger)”
بل وذهب أبعد من ذلك حين قال:
“لدينا علاقات أفضل مع خصومنا مما لدينا مع حلفائنا”
هذه التصريحات، كما علّق عليها محلل الأمن القومي في نيويورك تايمز ديفيد سانغر (David Sanger) عبر CNN، “تُفرغ الناتو من مضمونه حتى دون انسحاب رسمي”، مضيفًا أن تكرار هذا الخطاب “يقوّض الثقة داخل التحالف من الداخل”.
وفي المقابل، بدأت تظهر ملامح إعادة تموضع عالمي. فقد كتب رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك (Donald Tusk) على منصة X:
“تفكك الناتو، أزمة طاقة في أوروبا، وتخفيف الضغط عن روسيا… يبدو وكأنه حلم بوتين يتحقق”
وهنا تتقاطع السياسة بالاقتصاد بشكل مباشر. فارتفاع النفط فوق 100 دولار، كما تشير الإيكونوميست، يعزز إيرادات روسيا بشكل كبير، ويموّل عملياتها العسكرية، في وقت تتراجع فيه وحدة الموقف الغربي. وقد ارتفعت صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا عبر TurkStream بنسبة 22%، بحسب رويترز (Reuters)، في مفارقة تعكس كيف تستفيد موسكو من أزمة لم تشارك فيها مباشرة.
أما في الخليج، فتبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فالدول المنتجة تستفيد من ارتفاع الأسعار، لكنها تدفع ثمنًا أمنيًا واقتصاديًا في آن واحد، مع استهداف منشآت الطاقة، وارتفاع تكاليف التأمين، وتحويل مسارات الطيران. وتشير تقديرات إقليمية إلى أن خسائر المنطقة قد تصل إلى 200 مليار دولار إذا استمر التصعيد، وهو ما يعكس هشاشة التوازن بين العائدات النفطية والاستقرار الاقتصادي.
وفي خضم هذا المشهد، يبقى العامل الأكثر حسمًا هو الموقف الإيراني، حيث تؤكد طهران، عبر تصريحات نقلتها وكالة تسنيم (Tasnim)، أنها “لن تتفاوض تحت الضغط ولن تستسلم”، وهو ما يطيل أمد الأزمة ويعزز من حالة عدم اليقين. وفي المقابل، يواصل ترامب التلويح بالتصعيد، مع تقليص الاعتماد على الحلفاء، ما يضع الولايات المتحدة في مسار أكثر انفرادية.
وهنا تتضح الصورة الكبرى: لم يعد العالم أمام حرب تقليدية، بل أمام تحول في بنية النظام الدولي. فالتصدعات داخل الناتو، ومحاولات أوروبا العمل خارج المظلة الأمريكية، واستفادة روسيا، وصعود منطق “كل دولة لنفسها”، كلها مؤشرات على أن التحالفات التي حكمت العالم لعقود بدأت تتعرض لاختبار حقيقي.
وفي الخلاصة، لم تكن كلمة ترامب مجرد خطاب حرب، بل كانت نقطة انعطاف كشفت هشاشة الاقتصاد العالمي، وعمق الانقسام داخل التحالفات، وفتحت الباب أمام عالم أكثر اضطرابًا.
فاليوم، لا تنزف الأسواق فقط…
بل تتصدع أيضًا التحالفات التي كانت تحميها.




