من النيل إلى البحر الأحمر… لماذا قد يشعل اضطراب هذه المنطقة جزءًا من العالم؟

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
حين يُذكر السودان أو تشاد أو إريتريا أو جنوب السودان أو أفريقيا الوسطى في نشرات الأخبار، غالبًا ما تُعرض على أنها دول أفريقية تعاني من أزمات داخلية أو حروب أهلية أو مشكلات اقتصادية. لكن هذه النظرة تخفي حقيقة أكبر بكثير. فنحن لا نتحدث هنا عن مجموعة دول متجاورة فقط، بل عن واحدة من أكثر المناطق حساسية في الجغرافيا السياسية العالمية؛ منطقة تمتد من قلب أفريقيا إلى البحر الأحمر، وتتحكم بمفاتيح المياه والطاقة والتجارة والهجرة والأمن الإقليمي والدولي.
لهذا السبب، فإن أي حرب أو انقلاب أو انهيار اقتصادي أو تدخل خارجي في السودان أو مصر أو ليبيا أو إثيوبيا أو تشاد أو جنوب السودان أو أفريقيا الوسطى أو إريتريا لا يبقى داخل حدود تلك الدول، بل يرسل ارتداداته إلى أوروبا والخليج والبحر المتوسط والقرن الأفريقي وحتى إلى مراكز القرار في واشنطن وبكين وموسكو.
السبب الأول يكمن في الجغرافيا.
هذه المنطقة تقع عند نقطة التقاء ثلاث دوائر استراتيجية كبرى: الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، وأفريقيا جنوب الصحراء. كما تشرف بصورة مباشرة أو غير مباشرة على البحر الأحمر، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم. فحوالي 12% من التجارة العالمية، ونحو 15% من التجارة البحرية الدولية، تمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس، فيما تعبره يوميًا كميات ضخمة من النفط والغاز والبضائع المتجهة بين آسيا وأوروبا. وعندما تعطلت الملاحة في البحر الأحمر خلال أزمة الحوثيين بين 2023 و2025، ارتفعت تكاليف الشحن العالمية بشكل حاد واضطرت سفن كثيرة إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح، ما أضاف آلاف الكيلومترات إلى رحلاتها وأدى إلى ارتفاع أسعار النقل والتأمين عالميًا.
وفي قلب هذه المعادلة تقف مصر.
قناة السويس وحدها توفر لمصر مليارات الدولارات سنويًا، لكنها بالنسبة للعالم أكثر من مجرد مصدر دخل مصري. فالقناة التي افتُتحت عام 1869 تمر عبرها سنويًا عشرات آلاف السفن، وتعد أحد أهم الاختصارات التجارية على سطح الأرض. أي تهديد لاستقرار مصر أو لمجرى القناة ينعكس فورًا على الاقتصاد العالمي، تمامًا كما حدث بعد حادثة السفينة “إيفر غيفن” عام 2021 التي أوقفت حركة الملاحة أيامًا معدودة وأربكت سلاسل الإمداد العالمية.
لكن أهمية المنطقة لا تتوقف عند البحر الأحمر.
هناك النيل.
أكثر من 95% من سكان مصر يعيشون على ضفاف النهر أو بالقرب منه. ويعتمد أكثر من مئة مليون مصري بصورة مباشرة على مياهه. كما تعتمد السودان على النيل في الزراعة والطاقة والحياة اليومية. ولهذا تحوّل سد النهضة الإثيوبي منذ بدء بنائه عام 2011 إلى أحد أكثر الملفات حساسية في الشرق الأوسط وأفريقيا.
فإثيوبيا، التي تجاوز عدد سكانها 130 مليون نسمة، ترى السد مشروعًا تنمويًا سيغير مستقبلها الاقتصادي ويوفر أكثر من 5 آلاف ميغاواط من الكهرباء. أما مصر فترى أن أي تغيير جوهري في تدفق المياه يمثل تهديدًا للأمن القومي. وبين الطرفين تقف السودان باعتبارها الدولة التي تتوسط النهر والجغرافيا والمصالح.
وهنا تظهر حقيقة أخرى.
هذه المنطقة ليست فقط ممرًا للمياه والتجارة، بل خزانًا بشريًا هائلًا. فعدد سكان الدول الثماني مجتمعة يقترب من 350 مليون نسمة. مصر وحدها تجاوزت 110 ملايين نسمة، وإثيوبيا أكثر من 130 مليونًا، والسودان نحو 50 مليونًا، ما يجعل المنطقة واحدة من أسرع مناطق العالم نموًا سكانيًا. وهذا يعني أن أي اضطراب سياسي أو اقتصادي فيها يمكن أن يطلق موجات هجرة ونزوح هائلة تمتد نحو أوروبا والخليج وشمال أفريقيا.
أما السودان، فيمثل وحده عقدة استراتيجية استثنائية.
فهو ثالث أكبر دولة أفريقية من حيث المساحة بعد الجزائر والكونغو الديمقراطية، ويقع بين العالم العربي وأفريقيا السوداء. يجاور سبع دول، ويملك ساحلًا على البحر الأحمر، ويحتوي على موارد ضخمة من الذهب والأراضي الزراعية والمياه. ولذلك لم يكن غريبًا أن تتحول الحرب التي اندلعت فيه عام 2023 إلى مصدر قلق عالمي، لأن انهيار السودان لا يهدد السودانيين وحدهم، بل يهدد استقرار القرن الأفريقي والساحل والصحراء وشمال أفريقيا معًا.
ثم تأتي ليبيا.
الدولة التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في أفريقيا، والمقدر بأكثر من 48 مليار برميل. ليبيا ليست مهمة فقط بسبب النفط، بل لأنها تشكل بوابة استراتيجية بين المتوسط والصحراء الكبرى. ومنذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 أصبحت ساحة تنافس بين قوى إقليمية ودولية متعددة، لأن من يملك نفوذًا في ليبيا يملك تأثيرًا على الطاقة والهجرة والأمن في جنوب أوروبا.
أما تشاد وأفريقيا الوسطى، فرغم أن اسميهما لا يحضران كثيرًا في الإعلام العالمي، فإنهما تقعان في قلب منطقة الساحل التي أصبحت خلال العقد الأخير واحدة من أكثر المناطق اضطرابًا في العالم. الانقلابات العسكرية، والجماعات المسلحة، والتنافس الفرنسي والروسي والغربي، كلها جعلت هذه المنطقة جزءًا من الصراع الدولي على النفوذ في أفريقيا.
وفي الشرق تقف إريتريا.
دولة صغيرة نسبيًا من حيث عدد السكان، لكنها تطل على أحد أهم المواقع البحرية في العالم عند مدخل البحر الأحمر. ولهذا السبب كانت دائمًا محل اهتمام القوى الإقليمية والدولية. فمن يراقب باب المندب والبحر الأحمر يدرك أن إريتريا ليست دولة هامشية كما تبدو على الخريطة.
أما جنوب السودان، أحدث دولة في العالم منذ استقلاله عام 2011، فيجلس فوق احتياطيات نفطية كبيرة لكنه ما زال يعاني من أزمات سياسية وأمنية متواصلة. والمفارقة أن نفطه يعتمد في تصديره على البنية التحتية السودانية، ما يجعل استقرار الدولتين مترابطًا بصورة يصعب فصلها.
لكن ربما العامل الأكثر أهمية اليوم هو التنافس الدولي.
الصين تنظر إلى المنطقة باعتبارها جزءًا حيويًا من مبادرة الحزام والطريق. الولايات المتحدة تعتبرها منطقة ضرورية لأمن الملاحة الدولية ومواجهة النفوذ الصيني والروسي. روسيا تبحث عن موطئ قدم على البحر الأحمر. أوروبا تخشى موجات الهجرة والانهيار الأمني. أما دول الخليج فترى أن أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي جزء من أمنها القومي المباشر.
لهذا لم يعد ممكناً النظر إلى السودان أو إثيوبيا أو ليبيا أو مصر باعتبارها ملفات منفصلة.
فحرب في السودان قد تؤثر على استقرار تشاد وجنوب السودان ومصر. أزمة مياه بين مصر وإثيوبيا قد تعيد رسم موازين القوى في القرن الأفريقي. انهيار أمني في ليبيا قد يدفع بموجات هجرة ضخمة نحو أوروبا. توتر في البحر الأحمر قد يرفع أسعار الشحن والطاقة عالميًا. وكل خيط من هذه الخيوط متصل بالآخر.
الحقيقة أن هذه المنطقة تمثل أحد الأعصاب الرئيسية للنظام العالمي المعاصر.
هنا تلتقي التجارة بالطاقة، والمياه بالأمن القومي، والهجرة بالاقتصاد، والجغرافيا بالسياسة الدولية. وهنا أيضًا تتقاطع مصالح العرب والأفارقة والأوروبيين والأمريكيين والصينيين والروس في مساحة واحدة.
ولهذا فإن أي شرارة صغيرة في هذه الرقعة الجغرافية لا تبقى محلية طويلًا. فالتاريخ أثبت مرارًا أن ما يبدأ في وادي النيل أو البحر الأحمر أو القرن الأفريقي قد ينتهي بتغيير حسابات دول تبعد آلاف الكيلومترات عن المنطقة.
إنها ليست مجرد مجموعة دول أفريقية كبيرة. إنها واحدة من أهم العقد الجيوسياسية في العالم، ومن أكثر المناطق تأثيرًا في مستقبل التجارة والطاقة والأمن العالمي خلال العقود القادمة.
المقال ١٢٢: زينة بلقاسم




