ليبيا : تفاقم الانقسام السياسي وبوادر حرب جديدة

اغتيال قائد الاستخبارات العسكرية في بنغازي (يسار) واستهداف منشآت نفطية في مدينة الزاوية (يمين) (وكالات)

 

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

 

لم تعد أزمة ليبيا تُقاس بعدد الحكومات المتنافسة أو بعدد السنوات التي تأجلت فيها الانتخابات؛ فحين تصل المسيّرات إلى أكبر مصفاة عاملة في البلاد، ويُقتل مسؤول استخباراتي كبير بسيارة مفخخة في الجهة الأخرى من الوطن في اليوم نفسه، يصبح الانقسام السياسي بنية أمنية قابلة للانفجار. ففي 10 أغسطس/آب 2026 استهدفت مسيّرة خزان بنزين في مصفاة الزاوية، على بعد نحو 47 كيلومترًا غرب طرابلس، وكان يحتوي على 4.5 ملايين لتر من الوقود، ما أدى إلى حريق هائل استمر حتى اليوم التالي ودفع المؤسسة الوطنية للنفط إلى إعلان حالة الطوارئ القصوى، من دون تسجيل قتلى. وتناقلت أسوشيتد برس أن ضربة أخرى وقعت قرب خزان رئيسي أثناء عمليات الإطفاء، فيما تعرضت محطة الكهرباء في المدينة أيضًا لهجمات بمسيّرات.

لكن الزاوية ليست حادثًا منفصلًا. فخلال عطلة نهاية الأسبوع سبقت الهجوم ضربات أخرى طالت خزان وقود ومنشأة لتحلية المياه مرتبطة بالبنية النفطية للمدينة، وسط تصاعد التوتر بين حكومة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس والقوى التابعة لمحمد بحرون في الزاوية. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن سلسلة الهجمات حتى الآن. ويرى الباحث جلال حرشاوي، المرتبط بالمعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، أن تضييق الخناق على بحرون قد يدفع قواته إلى خيارات أكثر خطورة؛ وهي قراءة تحليلية وليست إثباتًا لمسؤوليتها عن الضربات.

والمفارقة أن الانفجار في الغرب قابله اغتيال في الشرق في اليوم نفسه. ففي بنغازي مساء 10 أغسطس، قُتل اللواء فوزي المنصوري، مدير الاستخبارات العسكرية في القوات التابعة لخليفة حفتر، إثر انفجار سيارة مفخخة في حي السيدة عائشة. ولم تتبنَّ جهة العملية حتى الآن. وهكذا تبدو الخريطة الليبية وكأنها تقدم صورتين مختلفتين للمشكلة نفسها: مسيّرات تضرب منشآت استراتيجية في الغرب، وسيارة مفخخة تستهدف مسؤولًا أمنيًا كبيرًا في الشرق، بينما ما تزال الدولة منقسمة بين حكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وحكومة أسامة حماد في الشرق المدعومة من مجلس النواب والقوات التابعة لحفتر.

وهنا تعود السياسة إلى أصل المشكلة. فقد حذرت الممثلة الخاصة للأمين العام هانا تيتيه مجلس الأمن في 18 يونيو/حزيران من أن الزخم السياسي الذي تحقق في ليبيا ما يزال «هشًا»، وأن استمرار عجز المؤسسات والقوى السياسية عن توفير الظروف اللازمة للانتخابات سيجعل الاعتماد على العملية الحالية وحدها غير كافٍ لإعطاء الليبيين حكومة ذات شرعية ديمقراطية. والمفارقة أن الحوار المهيكل الذي رعته الأمم المتحدة أنهى أعماله في 7 يونيو بأكثر من 525 توصية تتعلق بالانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة والأمن والمصالحة والحوكمة، بعد مشاركة تقارب 200 شخص في جلسته الختامية؛ أي أن ليبيا لا تعاني نقصًا في خرائط الطريق بقدر ما تعاني صعوبة تحويلها إلى سلطة واحدة وقواعد سياسية يقبل بها الجميع.

وتزداد خطورة الانقسام لأن النفط ليس مجرد قطاع اقتصادي ليبي، بل العمود الذي تحمل عليه الدولة ماليتها. ولهذا فإن استهداف الزاوية يختلف عن الاشتباك التقليدي بين مجموعتين مسلحتين: فالمدينة تضم أكبر مصفاة عاملة في البلاد، إلى جانب ميناء للتصدير ومحطة كهرباء وبنية حيوية لإمدادات الوقود. وكانت المؤسسة الوطنية للنفط قد درست أصلًا تطوير المصفاة لتغطية حصة أكبر من احتياجات السوق المحلية وتقليص تكلفة استيراد الوقود. وبذلك تصبح المسيّرة التي تضرب خزانًا للوقود وسيلة ضغط على الاقتصاد والمواطن والدولة معًا، لا على الخصم العسكري وحده.

أما العقدة الأكبر فهي أن ليبيا ما تزال بعد 15 عامًا من سقوط نظام معمر القذافي بلا تسوية نهائية لمسألة من يحكم، وبأي شرعية، وتحت إمرة من تكون القوات المسلحة. وقد حذر مجلس الأمن في مارس/آذار القوى الليبية من الإجراءات الأحادية التي تعمق الانقسام المؤسسي وتضر بالمصالحة والوضع الاقتصادي، مطالبًا إياها بالانخراط الجاد في خارطة الطريق الأممية. وفي المقابل، يرى الباحث تيم إيتون من تشاتام هاوس أن محاولات توحيد السلطة من خلال اتفاق بين النخب المتنافسة لن تكون كافية إذا لم تعالج طريقة إدارة المؤسسات والموارد نفسها؛ لأن جمع مراكز القوة داخل حكومة واحدة لا يعني بالضرورة بناء دولة موحدة.

ولهذا، ربما لا يكون السؤال بعد الزاوية وبنغازي: هل بدأت حرب ليبية جديدة؟ فالأدلة الحالية لا تكفي للقول إن البلاد دخلت حربًا شاملة، ووقف إطلاق النار القائم منذ 2020 لم ينهَر رسميًا. لكن أحداث 10 و11 أغسطس تكشف مدى ضيق المسافة بين الانقسام السياسي والانفجار الأمني: خزان يحترق في الغرب، ومسؤول استخباراتي يُغتال في الشرق، وحكومتان تتنازعان الشرعية، وسلاح موزع بين قوى لا تخضع لقيادة وطنية واحدة. ولذلك يصبح السؤال الأخطر: إذا لم تستطع السياسة توحيد ليبيا، فهل يبدأ السلاح مرة أخرى برسم حدود السلطة بدلًا منها؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى