نساء اليمن وأفغانستان في الحروب المنسية وسط ضجيج الحروب الكبرى، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، هناك أزمات لا تموت، لكنها تختفي من الشاشات. اليمن وأفغانستان مثالان قاسيان على ذلك. فحين تطول الحرب، يعتاد العالم عليها، وحين يعتاد عليها، تبدأ المأساة الأعمق: أن يصبح الألم خبرًا قديمًا.

صورة بالذكاء الاصطناعي

 

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

في اليمن، يحتاج نحو 19.5 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2025. وفي أفغانستان، يحتاج نحو 22.9 مليون شخص إلى شكل من أشكال الدعم الإنساني. هذه ليست أرقامًا جامدة، بل ملايين من النساء والأطفال والشباب الذين يستيقظون كل صباح أمام السؤال نفسه: كيف ننجو يومًا آخر؟

لكن الوجه الأكثر هشاشة في هذه الأزمات هو وجه النساء. فالمرأة في اليمن أو أفغانستان لا تواجه الحرب فقط، بل تواجه انهيار المستشفى، وغياب الطبيب، ونقص الدواء، وضغط المجتمع، والخوف من الطريق، وصعوبة الوصول إلى أبسط خدمة صحية. وحين تكون حاملًا، تصبح الولادة نفسها مخاطرة قد تنتهي بالموت.

في اليمن، حيث دمرت سنوات الحرب الاقتصاد والنظام الصحي، لا تعمل نسبة كبيرة من المرافق الصحية بكامل طاقتها. وفي بعض المناطق، تضطر المرأة الحامل إلى السير لساعات أو جمع ما يكفي من المال للوصول إلى أقرب مركز صحي. ولهذا تسجل البلاد أحد أعلى معدلات وفيات الأمهات في المنطقة العربية، حيث تموت نساء بسبب مضاعفات كان يمكن علاجها لو وُجدت قابلة مدربة أو دواء أساسي أو وسيلة نقل آمنة.

أما في أفغانستان، فتتضاعف الأزمة بسبب القيود المفروضة على النساء والفتيات، وانكماش التمويل الدولي، وإغلاق مسارات التعليم والعمل أمام النساء، بما في ذلك التعليم الطبي في بعض الحالات. وهنا تصبح المأساة دائرية: النساء يحتجن إلى طبيبات وقابلات، لكن القيود نفسها تمنع تكوين الجيل القادم من العاملات الصحيات.

ولذلك لا يمكن فهم اليمن وأفغانستان كأزمتين إنسانيتين فقط. هما أزمتان سياسيتان واقتصاديتان واجتماعيتان في الوقت نفسه. فالحرب تقتل، لكن انهيار التمويل يقتل أيضًا. وحين تتراجع المساعدات، لا تختفي الحاجة، بل تختفي الخدمة. تُغلق العيادة، يتوقف دعم القابلة، يقل عدد الأسرّة الآمنة للناجيات من العنف، وتتحول المسافة بين القرية والمستشفى إلى مسافة بين الحياة والموت.

والأخطر أن العالم غالبًا يروي قصص هذه المجتمعات نيابة عنها. يتحدث عن الضحايا، لكنه لا يسمعهم. يصف النساء بالضعف، لكنه لا يرى قوتهن اليومية. فالمرأة اليمنية التي تحاول إيصال طفلها إلى المدرسة، والمرأة الأفغانية التي تبحث عن علاج في قرية معزولة، ليستا مجرد ضحيتين. إنهما تحملان عائلة كاملة فوق كتفيهما، وتقاتلان من أجل الحياة بأدوات قليلة جدًا.

من هنا تأتي أهمية تغيير اللغة. فالمطلوب ليس فقط “إغاثة” تُرسل من الخارج إلى الداخل، بل تمكين يبني على ما يملكه الناس أصلًا من قدرة. في اليمن، على سبيل المثال، يمكن ربط القابلات في المناطق الريفية بالأطباء عبر التطبيب عن بُعد. وفي أفغانستان، يمكن دعم العيادات المجتمعية وتدريب النساء المحليات وتوفير النقل النقدي للحوامل حتى لا تصبح كلفة الطريق سببًا في الوفاة.

هذا النوع من الاستثمار لا يبدو مثيرًا مثل صور الطائرات أو المؤتمرات السياسية، لكنه ينقذ الحياة فعلًا. جهاز اتصال لقابلة في قرية نائية قد يكون أهم من بيان دولي. دعم نقدي بسيط لامرأة حامل كي تصل إلى مركز صحي قد يكون الفارق بين جنازة وولادة آمنة. وعيادة صغيرة مجهزة في منطقة معزولة قد تمنح مجتمعًا كاملًا سببًا للبقاء.

في النهاية، ليست مأساة اليمن وأفغانستان في أنهما بلدان فقيران أو بعيدان عن الضوء. المأساة أن العالم يعرف ما يحدث، لكنه يعتاد عليه. وحين يعتاد العالم على الألم، يصبح الصمت جزءًا من الأزمة.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: كم يحتاج اليمن وأفغانستان من مساعدات؟

بل: كم حياة يمكن إنقاذها لو توقف العالم عن التعامل مع النساء في الحروب المنسية كأرقام في تقارير، وبدأ ينظر إليهن كقوة قادرة على إعادة بناء المجتمع من أكثر نقطة هشاشة فيه؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى