هل يرسّخ بحث أوروبا عن الاستقلال الاقتصادي والرقمي خلق عالم متعدد الأقطاب؟

صورة بالذكاء الاصطناعي

 

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

 

لم تعد فكرة “العالم متعدد الأقطاب” شعارًا نظريًا في خطابات بكين وموسكو فقط. ما يحدث اليوم أن حلفاء واشنطن أنفسهم، من أوروبا إلى آسيا، بدأوا يعيدون حساباتهم: من يحميهم؟ من يملك بياناتهم؟ من يسيطر على طاقاتهم؟ ومن يتحكم في التكنولوجيا التي تقوم عليها اقتصاداتهم؟

في آسيا، بدت الرسالة الأمريكية في منتدى شانغريلا واضحة: واشنطن تريد “شركاء لا محميات”، كما قال وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، داعيًا الحلفاء في المحيطين الهندي والهادئ إلى رفع إنفاقهم الدفاعي إلى نحو 3.5% من الناتج المحلي. الرسالة لم تكن انسحابًا أمريكيًا، لكنها كانت إعلانًا بأن زمن الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية يتغير.

هذه ليست مسألة آسيوية فقط. أوروبا تعيش القلق نفسه لكن بصورة مختلفة. بعد حرب أوكرانيا، اكتشفت القارة أن اعتمادها على الغاز الروسي كان نقطة ضعف استراتيجية، ثم اكتشفت في المجال الرقمي أن اعتمادها على السحابة الأمريكية والمنصات الأمريكية والصينية لا يقل خطورة عن اعتمادها السابق على الطاقة الروسية. ولهذا بدأت بروكسل تتحدث بوضوح عن “السيادة الرقمية” و”الاستقلال الاستراتيجي”.

تاريخيًا، التحالف الغربي وُلد بعد الحرب العالمية الثانية على قاعدة بسيطة: أمريكا تحمي، وأوروبا واليابان وكوريا الجنوبية تبني اقتصاداتها تحت مظلة أمنية أمريكية. تأسس الناتو عام 1949، ثم وُلدت شبكة التحالفات الأمريكية في آسيا مع اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين وأستراليا. لكن بعد نهاية الحرب الباردة، اعتادت أوروبا على “أرباح السلام”، وخفضت إنفاقها الدفاعي، بينما بقيت الولايات المتحدة الضامن العسكري الأكبر. اليوم، هذه المعادلة تهتز. في قمة لاهاي عام 2025، التزم حلفاء الناتو بهدف إنفاق يصل إلى 5% من الناتج المحلي على الدفاع والأمن بحلول 2035.

لكن الاستقلال الجديد لا يتعلق بالدبابات فقط. يتعلق بالرقائق، والذكاء الاصطناعي، والسحابة، والطاقة، والمعادن النادرة، وسلاسل الإمداد. تقرير ماريو دراغي عن تنافسية أوروبا حذّر من أن القارة تواجه خطر التراجع إذا لم تضخ استثمارات ضخمة وتنسق سياساتها الصناعية والتكنولوجية. فالمنافسة لم تعد بين شركات فقط، بل بين نماذج حضارية: أمريكا تقود الابتكار والمنصات، الصين تقود التصنيع والبنية التحتية، وأوروبا تحاول أن تبني نموذجًا ثالثًا يجمع السوق المفتوحة بالقواعد والخصوصية والسيادة.

في التكنولوجيا، تظهر الفجوة بوضوح. الشركات الأمريكية الكبرى، أمازون ومايكروسوفت وغوغل، تسيطر على نحو 70% من سوق الحوسبة السحابية في أوروبا، بينما تملك الشركات الأوروبية المحلية نحو 15% فقط. هذا يعني أن بيانات الحكومات والشركات والمستشفيات والمصارف الأوروبية تمر غالبًا عبر بنية رقمية لا تملكها أوروبا بالكامل.

لهذا جاءت قوانين مثل GDPR لحماية البيانات، وDSA لتنظيم المنصات الكبرى، وDMA لكبح احتكار “حراس البوابة” الرقميين، ثم قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي الذي أُقر عام 2024 باعتباره أول إطار شامل لتنظيم الذكاء الاصطناعي في العالم. أوروبا هنا لا تملك “غوغل” أو “ميتا” أو “تيك توك”، لكنها تحاول امتلاك قواعد اللعبة.

أما في أشباه الموصلات، فقد أدركت بروكسل أن من لا يملك الرقائق لا يملك مستقبل الصناعة. لذلك أطلقت قانون الرقائق الأوروبي بهدف رفع حصة أوروبا من الإنتاج العالمي من أقل من 10% إلى 20% بحلول 2030، عبر تعبئة أكثر من 43 مليار يورو من الاستثمارات العامة والخاصة.

الصورة نفسها تتكرر في الطاقة. قبل حرب أوكرانيا، كان الاتحاد الأوروبي يعتمد بقوة على روسيا، إذ مثل الغاز الروسي قرابة 40% من واردات الغاز الأوروبية. بعد 2022، تحركت أوروبا عبر خطة REPowerEU لتقليل الاعتماد على موسكو، ثم وصلت إلى اتفاق لإنهاء واردات الغاز الروسي تدريجيًا بحلول 2027. لكن السؤال بقي: هل استبدلت أوروبا اعتمادًا بآخر، من الغاز الروسي إلى الغاز الأمريكي، ومن الطاقة إلى السحابة الأمريكية؟

وهنا يلتقي المسار الأوروبي بالمسار الآسيوي. اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين وأستراليا لا تريد التخلي عن واشنطن، لكنها بدأت تفهم أن الحماية الأمريكية قد تصبح مشروطة أكثر وكلفة أكثر. أوروبا لا تريد القطيعة مع أمريكا، لكنها تريد ألا يكون أمنها وطاقتها وبياناتها رهينة قرار خارجي. وفي الحالتين، نحن أمام ولادة عالم أقل أحادية.

الصين تقرأ هذا التحول بذكاء. فهي لا تحتاج إلى طرد أمريكا من آسيا أو أوروبا لكي تربح. يكفي أن تجعل الحلفاء يشكّون في دوام الالتزام الأمريكي. وكلما ارتفع هذا الشك، زادت قدرة بكين على المناورة الاقتصادية والدبلوماسية. وفي المقابل، تدرك واشنطن أن حلفاءها إن أصبحوا أقوى عسكريًا وتكنولوجيًا فقد يساعدونها في مواجهة الصين، لكنهم في الوقت نفسه قد يصبحون أقل طاعة للقرار الأمريكي.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستنفصل أوروبا عن أمريكا؟ الجواب: لا، على الأقل ليس في المدى المنظور. السؤال الأهم هو: هل ستتحول أوروبا من تابع استراتيجي إلى قطب مستقل داخل الغرب؟ إذا نجحت في ذلك، فإن العالم المتعدد الأقطاب لن يكون صينيًا ـ روسيًا فقط، بل قد يصبح عالمًا فيه أمريكا، الصين، أوروبا، الهند، وربما قوى إقليمية صاعدة في الخليج وجنوب شرق آسيا وأفريقيا.

في النهاية، ما يجري اليوم ليس تفككًا فوريًا للنظام الأمريكي، بل إعادة توزيع بطيئة للقوة. أمريكا لا تزال القوة العسكرية والتكنولوجية الأولى، لكنها لم تعد وحدها قادرة على إدارة كل الجبهات. الصين تصعد، أوروبا تتحصن، آسيا تعيد الحسابات، والهند تتمدد، والطاقة والبيانات والرقائق أصبحت خطوط الجبهة الجديدة.

ربما لهذا يبدو عنوان المرحلة واضحًا: من كان يملك الجيوش في القرن العشرين كان يملك الأمن، ومن يملك البيانات والرقائق والطاقة وسلاسل الإمداد في القرن الحادي والعشرين سيملك النفوذ.

ومن هنا، نعم: بحث أوروبا عن الاستقلال الاقتصادي والرقمي لا يرسخ فقط فكرة العالم متعدد الأقطاب، بل يسرّع ولادته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى