عبد ربه منصور هادي… رئاسة يمنية في زمن الانهيار ومغادرتها في قلب ازمة

 

نيويورك / زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

لم يكن عبد ربه منصور هادي من القادة الذين صنعوا حول أنفسهم هالة كاريزمية ضخمة، ولا من الزعماء الذين ارتبطت أسماؤهم بخطابات تاريخية أو مشاريع أيديولوجية كبرى. لكنه كان واحدًا من أكثر الشخصيات اليمنية حضورًا في أخطر مرحلة عرفتها البلاد منذ توحيدها عام 1990. واليوم، مع الأنباء المتداولة عن وفاته في السعودية عن عمر ناهز الثمانين عامًا، يعود اسمه مجددًا إلى الواجهة بوصفه الرجل الذي ورث دولة مأزومة، وحكمها في لحظة كانت فيها اليمن تقف على حافة الانفجار الكامل.

ولد عبد ربه منصور هادي عام 1945 في محافظة أبين جنوب اليمن، في بيئة سياسية وعسكرية مختلفة تمامًا عن شمال البلاد. دخل المؤسسة العسكرية مبكرًا، وتلقى تدريبات وتأهيلاً عسكريًا خارج اليمن، من بينها الدراسة في أكاديمية ساندهيرست البريطانية، كما تلقى تعليمًا عسكريًا متقدمًا في مصر، وهو ما جعله من الشخصيات القليلة داخل المؤسسة اليمنية التي جمعت بين الخبرة الميدانية والتأهيل العسكري الخارجي.

بعد استقلال جنوب اليمن، صعد هادي تدريجيًا داخل المؤسسة العسكرية، قبل أن يصبح جزءًا من التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد مع الوحدة اليمنية عام 1990. لكن اللحظة المفصلية في مسيرته جاءت بعد حرب 1994 بين الشمال والجنوب، حين وقف إلى جانب الرئيس علي عبد الله صالح ضد مشروع الانفصال، ليكافأ لاحقًا بمنصب نائب الرئيس، وهو المنصب الذي بقي فيه قرابة ثمانية عشر عامًا كاملة.

طوال تلك السنوات، ظل هادي يوصف بأنه “الرجل الهادئ” داخل السلطة اليمنية. لم يكن لاعبًا سياسيًا صداميًا، ولم يُعرف عنه بناء مراكز قوى خاصة به على غرار شخصيات يمنية أخرى. وربما لهذا السبب تحديدًا بدا خيارًا مناسبًا حين انفجرت احتجاجات الربيع العربي في اليمن عام 2011.

في ذلك الوقت كانت البلاد تدخل واحدة من أخطر أزماتها الحديثة. الاحتجاجات الشعبية ضد نظام علي عبد الله صالح اتسعت، والانقسام داخل الجيش ازداد، والضغوط الخليجية والدولية تصاعدت خشية انهيار الدولة بالكامل. هنا ظهر اسم عبد ربه منصور هادي كحل توافقي.

بموجب المبادرة الخليجية، انتقلت السلطة من صالح إلى نائبه هادي، الذي أصبح رئيسًا توافقيًا لمرحلة انتقالية يفترض أن تعيد بناء الدولة اليمنية وتمنع انزلاقها إلى الفوضى. وفي فبراير 2012 جرت انتخابات رئاسية كان هادي المرشح الوحيد فيها، ليصبح رسميًا الرئيس الثاني للجمهورية اليمنية بعد الوحدة. وبلغت نسبة المشاركة وفق الأرقام الرسمية نحو 65% من الناخبين المسجلين.

في بدايات حكمه، حظي هادي بدعم إقليمي ودولي غير مسبوق. مجلس التعاون الخليجي دعمه باعتباره الضامن للمرحلة الانتقالية، والأمم المتحدة اعتبرت انتقال السلطة في اليمن نموذجًا يمكن أن يجنّب البلاد مصير الحروب الأهلية التي ضربت دولًا عربية أخرى.

كما أطلق مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي جمع معظم القوى السياسية اليمنية، في محاولة لإعادة صياغة النظام السياسي والدستور وبنية الدولة. واعتبر كثير من المراقبين آنذاك أن تلك المرحلة ربما كانت آخر فرصة تاريخية لإنقاذ اليمن من الانقسام.

لكن المشكلة الكبرى لم تكن في الحوار السياسي فقط، بل في الواقع اليمني نفسه.

فالدولة كانت منهكة اقتصاديًا، والجيش منقسم الولاءات، والقبائل والقوى المسلحة تملك نفوذًا يتجاوز أحيانًا نفوذ الحكومة المركزية. وفي الشمال كان الحوثيون يتمددون تدريجيًا، بينما كان تنظيم القاعدة ينشط في مناطق مختلفة، فيما بقي الجنوب يحمل جراح ما بعد الوحدة وحرب 1994.

حاول هادي إعادة هيكلة الجيش وإبعاد مراكز النفوذ المرتبطة بعلي عبد الله صالح، لكن هذه العملية اصطدمت بمقاومة داخلية شديدة. ومع مرور الوقت، بدأت السلطة الانتقالية تفقد قدرتها على السيطرة الفعلية على المشهد.

ثم جاءت اللحظة التي غيرت كل شيء.

في سبتمبر 2014 سيطر الحوثيون على صنعاء. وبعد أشهر قليلة أصبح الرئيس نفسه محاصرًا داخل العاصمة. وفي يناير 2015 قدم استقالته تحت ضغط الحوثيين، قبل أن يتراجع عنها لاحقًا ويفر إلى عدن ثم إلى السعودية مع بدء عملية “عاصفة الحزم” التي قادتها المملكة في مارس 2015. ومنذ تلك اللحظة لم تعد الحرب اليمنية شأنًا داخليًا فقط، بل تحولت إلى واحدة من أعقد الحروب الإقليمية في الشرق الأوسط.

هنا انقسمت صورة هادي بشكل حاد.

أنصاره يرون أنه واجه انقلابًا مسلحًا مدعومًا من إيران، وأنه حاول الحفاظ على شرعية الدولة اليمنية في ظروف شبه مستحيلة. ويعتبرون أن انهيار المؤسسات لم يكن نتيجة قراراته فقط، بل نتيجة تراكمات عقود طويلة من الأزمات والانقسامات والحروب.

أما خصومه فيرون أنه أخفق في إدارة المرحلة الانتقالية، وفشل في بناء مؤسسات قوية قادرة على مواجهة الحوثيين، وأن سنوات حكمه شهدت تآكلًا متزايدًا للدولة حتى وصلت البلاد إلى الحرب الشاملة.

ومع استمرار الحرب، أصبح هادي أكثر ارتباطًا بالتحالف العربي الذي دعم حكومته عسكريًا وسياسيًا. لكن مع مرور السنوات، تراجع حضوره السياسي تدريجيًا، بينما بدأت مراكز قوى جديدة تظهر داخل المعسكر المناهض للحوثيين.

وفي أبريل 2022 أعلن نقل صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، منهياً عمليًا عقدًا كاملًا من الرئاسة في واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا في تاريخ اليمن الحديث.

جيوسياسيًا، ربما لم يكن هادي مجرد رئيس يمني، بل أصبح جزءًا من معادلة إقليمية ودولية أكبر من اليمن نفسها. خلال فترة حكمه تحولت البلاد إلى ساحة مواجهة بين السعودية وإيران، وبين مشاريع النفوذ الإقليمية المختلفة، كما أصبحت الحرب اليمنية ملفًا حاضرًا في حسابات واشنطن ولندن والأمم المتحدة ومجلس الأمن.

ولهذا فإن تقييم إرثه لا يزال حتى اليوم محل خلاف كبير.

فالبعض يراه رجل دولة حاول منع سقوط اليمن لكنه واجه عاصفة أكبر من قدراته. وآخرون يرون أنه كان رئيس المرحلة التي انهارت فيها الدولة فعليًا ودخلت البلاد في أطول حروبها الحديثة.

لكن ما يبدو مؤكدًا أن عبد ربه منصور هادي سيبقى واحدًا من أكثر الشخصيات ارتباطًا بالمرحلة الانتقالية اليمنية، وبالسنوات التي انتقلت فيها البلاد من مشروع الحوار الوطني إلى الحرب المفتوحة، ومن الدولة الهشة إلى واحدة من أعقد الأزمات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وبين من يعتبره رجل تسوية، ومن يحمّله مسؤولية الانهيار، يبقى اسمه مرتبطًا بفصل كامل من تاريخ اليمن… فصل لم تُكتب نهايته بعد.

ملاحظة مهمة: حتى لحظة إعداد هذا المقال، لا توجد بيانات رسمية يمنية أو سعودية منشورة على نطاق واسع تؤكد تفاصيل الوفاة وأسبابها بشكل كامل، رغم تداول خبر الوفاة في عدة منصات إخبارية عربية. لذلك تبقى بعض التفاصيل المرتبطة بالساعات الأخيرة بحاجة إلى تأكيد رسمي نهائي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى