من يملك الطريق يملك العالم…

صورة بالذكاء الاصطناعي

 

 

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

الحزام والطريق مقابل ممر الهند وأوروبا: والعالم أمام معركة النفوذ الكبرى

لم تعد الحروب الكبرى تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات والأساطيل. العالم دخل مرحلة جديدة عنوانها: من يملك الطريق… يملك التجارة، والطاقة، والاقتصاد، وربما النفوذ العالمي كله.

في هذا السياق، تبدو الاتفاقية الأخيرة بين الصين وباكستان أكبر بكثير من مجرد تعاون اقتصادي عابر. فزيارة رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف إلى بكين ولقاؤه الرئيس الصيني شي جين بينغ لم تكن مجرد لقاء بروتوكولي بين حليفين تقليديين، بل خطوة جديدة في واحدة من أعقد معارك القرن الحادي والعشرين: معركة الممرات الدولية.

الصين التي أطلقت قبل سنوات مشروع “الحزام والطريق” لم تكن تبني طرقًا وسككًا وموانئ فقط، بل كانت تعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي بهدوء. المشروع الذي يربط آسيا بأوروبا وأفريقيا عبر شبكات نقل وطاقة وبنية تحتية ضخمة تحوّل مع الوقت إلى مشروع نفوذ عالمي متكامل، ترى فيه واشنطن تحديًا مباشرًا لهيمنتها الاقتصادية والاستراتيجية.

ومن هنا تحديدًا تكتسب باكستان أهميتها.

فالممر الاقتصادي الصيني ـ الباكستاني CPEC ليس مجرد مشروع تنموي عادي، بل واحد من أهم أعمدة الحزام والطريق. الصين تريد الوصول إلى بحر العرب وخليج عمان بعيدًا عن الاختناقات البحرية التقليدية، وباكستان تريد التحول إلى عقدة تجارية كبرى في قلب آسيا.

ولهذا السبب تحديدًا أصبح ميناء جوادر الباكستاني نقطة محورية في الصراع العالمي القادم. فلو نجحت الرؤية الصينية كاملة، قد يتحول هذا الميناء يومًا ما إلى واحد من أهم الموانئ التجارية في العالم، لأنه يمنح الصين منفذًا استراتيجيًا مباشرًا نحو المحيط الهندي والطاقة الخليجية والأسواق العالمية.

لكن ما حدث مؤخرًا يتجاوز الموانئ والطرق التقليدية.

الاتفاقات الجديدة بين بكين وإسلام آباد دخلت مرحلة أكثر تطورًا: “الممر الرقمي”. الحديث لم يعد فقط عن شاحنات وسفن وبنية تحتية، بل عن رقمنة التخليص الجمركي، ومنصات الدفع، والأتمتة، وربط الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتسهيل حركة الفرق الفنية الصينية داخل باكستان. حتى شركة “علي بابا” أصبحت جزءًا من المشروع الجيوسياسي.

وهنا تتضح الصورة أكثر: الصين لا تريد فقط طريقًا تجاريًا، بل منظومة اقتصادية رقمية كاملة تمتد من شرق آسيا حتى الشرق الأوسط وأوروبا.

في المقابل، تتحرك الولايات المتحدة في الاتجاه المعاكس عبر مشروع “ممر الهند ـ الشرق الأوسط ـ أوروبا” أو IMEC، الذي يبدأ من الهند، يمر بالخليج العربي، ثم الأردن وإسرائيل، قبل أن يصل إلى أوروبا عبر البحر المتوسط.

المشروع الأمريكي ـ الهندي ـ الأوروبي جاء أساسًا كبديل استراتيجي لمواجهة تمدد الحزام والطريق الصيني. واشنطن تدرك أن الصين إذا نجحت في السيطرة على شبكات التجارة العالمية والبنية التحتية والموانئ، فإن ذلك سيقود تدريجيًا إلى انتقال مركز الثقل الاقتصادي العالمي من الغرب إلى آسيا.

لكن حتى الآن، يبدو الفارق واضحًا بين المشروعين.

الصين قطعت شوطًا عمليًا هائلًا: موانئ، سكك حديدية، مناطق صناعية، استثمارات بمئات المليارات، واتفاقيات ملزمة مع عشرات الدول. أما الممر الأمريكي فما زال أقرب إلى مشروع سياسي واستراتيجي لم يتحول بعد إلى بنية تنفيذية متكاملة على الأرض.

وهنا يبرز سؤال بالغ الأهمية: هل نجاح الحزام والطريق يعني فشل الممر الأمريكي؟ أم أن العالم يتجه نحو تعدد الممرات بدل احتكار طريق واحد؟

الحقيقة أن الأمر أكثر تعقيدًا.

العالم اليوم يعيش مرحلة إعادة تشكيل اقتصادي كاملة. الهند تحاول الصعود كمنافس للصين. أوروبا تبحث عن تقليل اعتمادها على بكين. الخليج يريد التحول إلى مركز عالمي للنقل والطاقة والخدمات اللوجستية. أما الصين فتسابق الزمن للوصول إلى الأسواق العالمية بأقل كلفة وأعلى نفوذ.

وفي قلب هذا كله، تتحول الجغرافيا إلى سلاح.

مضيق هرمز، خليج عمان، البحر الأحمر، قناة السويس، بحر الصين الجنوبي، وحتى الموانئ الإيرانية والباكستانية… كلها أصبحت أجزاء من معركة عالمية هادئة عنوانها الحقيقي: من يسيطر على خطوط التجارة يسيطر على الاقتصاد العالمي.

ولهذا يرى كثيرون أن ما يجري في الشرق الأوسط، وفي آسيا، وحتى في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، لا يمكن فصله عن حرب الممرات الكبرى. فالمعادن النادرة، والطاقة، والموانئ، وسلاسل الإمداد، باتت جزءًا من الأمن القومي للدول الكبرى تمامًا مثل الصواريخ والطائرات.

الصين تتحرك عبر الاستثمار والبنية التحتية والاقتصاد.
الولايات المتحدة تتحرك عبر التحالفات العسكرية والاقتصادية ومحاصرة النفوذ الصيني.
والهند تحاول استغلال اللحظة التاريخية لتصبح مركزًا اقتصاديًا عالميًا منافسًا لبكين.

أما الشرق الأوسط، فيجد نفسه في قلب المعركة.

فالمنطقة لم تعد فقط خزان نفط، بل أصبحت عقدة عبور عالمية لكل المشاريع القادمة من الشرق نحو الغرب. ولهذا لم يعد السؤال: من يملك النفط؟ بل: من يملك الطريق الذي يمر فيه النفط والتجارة والبيانات والطاقة؟

وفي النهاية، ربما تكون معركة القرن الحقيقية ليست حربًا عسكرية مباشرة بين واشنطن وبكين، بل حرب طرق وموانئ وممرات ونفوذ اقتصادي طويل الأمد.

لأن من يملك الطريق… قد يملك العالم فعلًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى