مسودة اتفاق اللحظة الأخيرة: تجنبت واشنطن وطهران حربًا مدمرة للعالم

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
في الوقت الذي كانت فيه المنطقة تعيش على إيقاع الصواريخ والطائرات المسيّرة وتهديدات الإغلاق العسكري لمضيق هرمز، وبينما كانت إسرائيل تستعد لاحتمال توسيع الحرب ضد إيران، بدا فجأة وكأن الشرق الأوسط انعطف في اللحظة الأخيرة بعيدًا عن حافة انفجار كان يمكن أن يتحول إلى أخطر مواجهة إقليمية منذ عقود.
فخلال الساعات الأخيرة، بدأت تتكشف تدريجيًا ملامح تفاهم أمريكي إيراني غير مسبوق، تفاهم لا يقوم على إنهاء الصراع جذريًا، بل على تجميد الانفجار الكبير ومنع المنطقة من الانزلاق إلى حرب شاملة كان يمكن أن تتجاوز حدود الشرق الأوسط لتصيب الاقتصاد العالمي والطاقة وأسواق المال والنظام الدولي كله.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن أن الاتفاق مع إيران “بانتظار اللمسات النهائية”، مؤكدًا أنه ناقش تفاصيله مع قادة السعودية والإمارات وقطر والبحرين والأردن ومصر وتركيا، إضافة إلى اتصالات مع إسرائيل وباكستان. هذا الحجم من الاتصالات كشف أن ما يجري ليس مجرد تفاوض ثنائي بين واشنطن وطهران، بل عملية إقليمية ودولية واسعة لإعادة احتواء أخطر أزمة شهدتها المنطقة منذ سنوات.
لكن خلف لغة التهدئة، كانت إسرائيل تعيش حالة مختلفة تمامًا.
فالتقارير الإسرائيلية المسرّبة من داخل اجتماعات الحكومة تحدثت عن “صدمة حقيقية” داخل تل أبيب بعد تزايد المؤشرات على قرب توقيع التفاهم. هيئة البث الإسرائيلية والقناة 13 نقلتا أن بنيامين نتنياهو عقد اجتماعًا عاجلًا لقادة الائتلاف الحكومي فور تلقي معلومات تفيد بأن الاتفاق أصبح ممكنًا بالفعل، وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي مارس ضغوطًا حتى اللحظة الأخيرة لمحاولة استئناف الهجمات ضد إيران قبل تثبيت أي تفاهم نهائي.
هذه التطورات كشفت حجم الفجوة المتزايدة بين الرؤية الأمريكية والرؤية الإسرائيلية للحرب.
فالولايات المتحدة، بحسب تقارير نشرتها واشنطن بوست وCNN ورويترز، بدأت تدرك أن استمرار التصعيد قد يدفع المنطقة إلى مواجهة مفتوحة يصعب احتواؤها، خصوصًا مع تداخل الجبهات من الخليج إلى لبنان والبحر الأحمر والعراق وسوريا، وفي وقت تواجه فيه واشنطن أزمات عالمية متزامنة من أوكرانيا إلى آسيا.
أما إسرائيل، فكانت ترى أن اللحظة الحالية تمثل “فرصة تاريخية” لإضعاف إيران بصورة استراتيجية وربما دفع النظام الإيراني إلى حافة الانهيار الداخلي.
لكن يبدو أن واشنطن اختارت في النهاية منطق الاحتواء بدل الحسم العسكري.
فداخل مراكز القرار الأمريكية، بدأ يتكرس إدراك جديد مفاده أن الولايات المتحدة لم تعد تملك ترف خوض حرب استنزاف جديدة في الشرق الأوسط، بينما تتجه أولوياتها الاستراتيجية نحو الصين وآسيا والمواجهة الطويلة مع روسيا. ولهذا يرى محللون في بلومبرغ وفورين أفيرز أن واشنطن لم تكن تبحث عن “نصر كامل” بقدر ما كانت تبحث عن منع انهيار النظام الإقليمي دفعة واحدة.
وهنا تكمن نقطة التحول الأساسية.
فالمسودة التي تحدثت عنها وسائل إعلام أمريكية وغربية كبرى — بينها نيويورك تايمز وأكسيوس — تقوم عمليًا على فلسفة “منع الانفجار” لا “حل الأزمة”. فهي تتضمن وقف الأعمال العسكرية على مختلف الجبهات، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وتخفيفًا جزئيًا لبعض العقوبات، مع فتح باب مفاوضات تفصيلية لاحقة حول البرنامج النووي الإيراني، خاصة ملف تخصيب اليورانيوم.
وبحسب محللين اقتصاديين في فايننشال تايمز وبلومبرغ، فإن مجرد احتمال إغلاق مضيق هرمز كان كافيًا لدفع الأسواق العالمية إلى حالة تأهب قصوى، لأن ما يقارب ثلث تجارة النفط البحرية العالمية يمر عبر هذا الممر الضيق. ولهذا لم تكن العواصم الغربية تخشى فقط الحرب العسكرية، بل أيضًا موجة تضخم عالمية جديدة قد تضرب الاقتصاد الدولي الهش أصلًا بعد سنوات من الأزمات المتلاحقة.
لكن الملف النووي نفسه بقي العقدة الأكثر حساسية.
نيويورك تايمز نقلت عن مسؤولين أمريكيين أن إيران وافقت مبدئيًا على مناقشة مستقبل اليورانيوم المخصب، وهو ما اعتبره خبراء غربيون تطورًا بالغ الأهمية، لأن طهران كانت تعتبر هذا الملف “خطًا أحمر سياديًا” طوال السنوات الماضية.
ومع ذلك، فإن أغلب المحللين الأمريكيين والأوروبيين يتفقون على أن الاتفاق الحالي لا يمثل تسوية نهائية، بل هدنة استراتيجية مؤقتة.
الخبير الأمريكي بيتر روف قال بوضوح إن “الشيطان يكمن في التفاصيل”، معتبرًا أن أي اتفاق لا يتضمن رقابة صارمة على مخزون اليورانيوم الإيراني سيبقى هشًا وقابلًا للانهيار. أما معهد بروكينغز ومجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، فقد حذرا من أن تأجيل الملفات الأصعب، مثل الصواريخ الباليستية والمنشآت السرية والنفوذ الإقليمي الإيراني، يعني أن جذور الأزمة ما تزال قائمة.
وفي المقابل، لا يبدو أن طهران خرجت منتصرة بالكامل كما تحاول بعض وسائل إعلامها تصوير الأمر. فالمؤسسة الإيرانية تدرك أن استمرار التصعيد كان قد يفتح الباب أمام استنزاف اقتصادي وأمني خطير، خصوصًا مع هشاشة الوضع الداخلي الإيراني والعقوبات الممتدة منذ سنوات. ولذلك يبدو أن الطرفين وصلا إلى القناعة نفسها: الحرب الشاملة قد تكون مكلفة أكثر من أي تنازل مؤقت.
وفي أوروبا، بدت المخاوف أكثر وضوحًا.
صحيفة فايننشال تايمز تحدثت عن قلق أوروبي من أن يؤدي فشل الاتفاق إلى سباق تصعيد إقليمي قد يضرب أسواق الطاقة العالمية ويقود إلى موجة اضطرابات اقتصادية جديدة. أما دير شبيغل الألمانية، فوصفت المرحلة الحالية بأنها “أخطر لحظة جيوسياسية منذ سنوات”، خصوصًا مع استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد الهجمات الروسية بالصواريخ والطائرات المسيّرة في الوقت نفسه الذي كانت فيه مفاوضات واشنطن وطهران تُطبخ خلف الكواليس.
لكن ربما كان الجانب الأكثر إثارة في كل ما يجري هو التحول التدريجي في الحسابات الإقليمية.
فدول الخليج، التي كانت لسنوات جزءًا من معسكر المواجهة مع إيران، بدت هذه المرة أكثر ميلًا إلى تثبيت التهدئة ومنع الحرب. ليس حبًا بطهران، بل إدراكًا أن أي انفجار إقليمي واسع لن يهدد إيران وحدها، بل سيهدد الاقتصاد الخليجي والطاقة العالمية ومشاريع التحول الاقتصادي الكبرى في المنطقة.
ولهذا لعبت السعودية وقطر والإمارات دورًا مركزيًا في دفع قنوات التهدئة، وفق ما أكدته تقارير رويترز ووسائل إعلام أمريكية متعددة.
وفي المقابل، تبدو إسرائيل اليوم أمام معضلة استراتيجية معقدة.
فالقيادة الإسرائيلية كانت تراهن على أن التصعيد سيؤدي إما إلى ضربة أمريكية حاسمة ضد إيران أو إلى اتفاق يفرض تفكيكًا جذريًا للبرنامج النووي الإيراني. لكن ما يجري الآن يبدو أقرب إلى “تجميد الأزمة” لا إنهائها، وهو ما يفسر حالة الإحباط والقلق التي تعيشها حكومة نتنياهو.
بل إن بعض المحللين الإسرائيليين بدأوا يتحدثون عن أن نتنياهو خرج من الأزمة “مقيدًا أكثر مما توقع”، بعدما ربط رهانه السياسي بالكامل بإدارة ترامب، ليكتشف في النهاية أن واشنطن تتحرك وفق مصالحها العالمية لا وفق الحسابات الإسرائيلية وحدها.
وبعض المعلقين في الصحافة البريطانية اعتبروا أن أخطر ما كشفته الأزمة بالنسبة لإسرائيل ليس الاتفاق نفسه، بل اكتشاف حدود قدرتها على دفع واشنطن نحو مواجهة مفتوحة لا تريدها الإدارة الأمريكية بالكامل. فحتى مع الدعم الأمريكي الواسع، بقي القرار النهائي محكومًا بحسابات القوة العظمى لا بحسابات الحليف الإقليمي.
السؤال الحقيقي الآن ليس فقط:
هل ينجح الاتفاق بل:
هل يستطيع منع الحرب فعلًا… أم أنه يؤجلها فقط؟
لأن الشرق الأوسط الذي دخل مرحلة التهدئة المؤقتة اليوم، ما تزال تحت سطحه كل عناصر الانفجار قائمة:
البرنامج النووي الإيراني، الصواريخ، النفوذ الإقليمي، إسرائيل، مضيق هرمز، والصراع الأمريكي الإيراني الممتد منذ أكثر من أربعة عقود.
ومع ذلك، يبدو أن العالم، على الأقل في هذه اللحظة ، اختار أن يلتقط أنفاسه.
وربما لهذا السبب تحديدًا، بدا الاتفاق، مهما كان هشًا ومؤقتًا، أشبه بعملية شراء للوقت أكثر منه سلامًا حقيقيًا.
فالشرق الأوسط لم يخرج من أزماته، بل فقط ابتعد خطوة عن الانفجار.
وحتى الآن، لا أحد يعرف إن كانت المنطقة قد نجت فعلًا من الحرب… أم أنها فقط أجلتها إلى موعد آخر.




