حين تُخنق الكلمة… نقل الحقيقة في مهب الريح

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
في عالمٍ أصبحت فيه المعلومة أسرع من الرصاصة، لم تعد الكلمة مجرد وسيلة للتعبير، بل تحولت إلى أداة قوة، وإلى عنصر حاسم في تشكيل الوعي، وتوجيه الرأي العام، بل وحتى في تحديد مسارات الحروب نفسها. فالتقارير الموثقة، والصورة الحقيقية من الميدان، والتغطية الصحفية المهنية، كلها يمكن أن تغيّر مواقف دول، وتحرّك مؤسسات دولية، وتضع حدًا لانتهاكات كانت ستبقى في الظل لولا وصولها إلى العالم.
ولعل التجارب الحديثة تثبت أن المجتمعات التي لا تزال تحافظ على قدر من حرية الإعلام، في بعض الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية، قادرة على كشف الفساد، ومحاسبة المسؤولين، ونقل الحقيقة، حتى وإن كانت مؤلمة. في المقابل، تظهر أنظمة أخرى تسعى إلى تطويع الكلمة، وتحويل الإعلام من سلطة رقابية إلى أداة تعبئة، أو إلى مساحة محدودة لا يُسمح فيها إلا بما يخدم الرواية الرسمية.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى ما يحدث في السودان اليوم كحالة معزولة، بل كجزء من نمط عالمي أوسع يشهد تراجعًا ملحوظًا في حرية الصحافة. ففي السودان، وفي ظل النزاع المستمر منذ 2023، أصبحت بيئة العمل الإعلامي واحدة من أخطر البيئات في العالم. ووفق تقارير لجنة حماية الصحفيين (CPJ) ومراسلون بلا حدود (RSF)، تعرض عشرات الصحفيين للاعتقال أو الاعتداء أو القتل، كما أُغلقت مؤسسات إعلامية أو توقفت قسرًا عن العمل.
غير أن الصورة لا تقتصر على دولة او منطقة صراع بعينها. فوفق تقرير اليونسكو لعام 2024 حول سلامة الصحفيين، قُتل أكثر من 80 صحفيًا حول العالم في عام واحد فقط، بينما تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين يتجاوز 85%. وهذه الأرقام تعكس بيئة عالمية يتزايد فيها الخطر على نقل الحقيقة.
كما يظهر تقرير مراسلون بلا حدود أن مؤشر حرية الصحافة يشهد تراجعًا في عدد كبير من الدول، بما في ذلك دول كانت تُعرف تقليديًا بدعمها لحرية التعبير. ففي السنوات الأخيرة، تم تسجيل قيود متزايدة على الإعلام في بعض الديمقراطيات، سواء عبر قوانين تنظيم المحتوى الرقمي، أو عبر ضغوط سياسية واقتصادية على المؤسسات الإعلامية، وهو ما يطرح تساؤلات حول مستقبل “الإعلام الحر” حتى في أكثر البيئات تقدمًا.
وفي مناطق النزاع، يتخذ هذا التراجع شكلًا أكثر حدة. ففي أوكرانيا، واليمن، والسودان، و غيرهم من مناطق النزاع أصبحت التغطية الإعلامية جزءًا من ساحة المعركة نفسها. فكل طرف يسعى إلى فرض روايته، بينما يواجه الصحفيون مخاطر ميدانية، وقيودًا على الوصول إلى المعلومات، وأحيانًا استهدافًا مباشرًا.
وفي هذا الإطار، تحذر تقارير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من أن تقييد الإعلام لا يؤدي فقط إلى غياب المعلومات، بل يفتح الباب أمام انتشار المعلومات المضللة، ويضعف قدرة المجتمع الدولي على الاستجابة للأزمات. فحين لا تصل الحقيقة، أو تصل بشكل مشوه، يصبح من الصعب اتخاذ قرارات مبنية على واقع دقيق.
ومن زاوية استراتيجية، يمكن فهم السيطرة على الإعلام كجزء من إدارة الصراع، حيث تسعى الأطراف المختلفة إلى التحكم في السردية، وليس فقط في الأرض. فالمعركة اليوم ليست فقط على المواقع العسكرية، بل على العقول والانطباعات. ومن ينجح في التحكم في تدفق المعلومات، يمتلك قدرة كبيرة على التأثير في مسار الأحداث.
لكن في المقابل، لا تزال هناك مقاومة لهذا الاتجاه. فالمؤسسات الدولية، مثل اليونسكو ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، تواصل الدعوة إلى حماية الصحفيين وضمان حرية التعبير. كما تعمل منظمات مثل لجنة حماية الصحفيين ومراسلون بلا حدود على توثيق الانتهاكات، وتقديم الدعم للصحفيين، والدفاع عن حق الوصول إلى المعلومات.
وفي النهاية، يبقى السؤال الجوهري: هل يمكن للعالم أن يحافظ على “قوة الكلمة” في زمن تتزايد فيه محاولات السيطرة عليها؟
الإجابة، على ما يبدو، لا تتوقف فقط على الحكومات أو المؤسسات، بل على إدراك عالمي متزايد بأن الإعلام الحر ليس رفاهية، بل ضرورة. فبدون الكلمة الحرة، لا يمكن كشف الحقيقة، ولا يمكن حماية الحقوق، ولا يمكن بناء مستقبل قائم على الشفافية والمساءلة.
وفي عالم يزداد تعقيدًا، تبقى الكلمة، حين تُنقل بصدق، واحدة من أقوى أدوات التوازن، وأحد آخر خطوط الدفاع عن الإنسان




