سباق على تدمير الأدمغة… حين تتحوّل المنصات إلى مهندِسة للعقل البشري

صورة تم تعديلها زينا بلقاسم

 

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

سباق على تدمير الأدمغة… حين تتحوّل المنصات إلى مهندِسة للعقل البشري

في تطوّر قضائي لافت صدر اليوم عن محكمة في كاليفورنيا، بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل: مرحلة مساءلة شركات التواصل الاجتماعي—وعلى رأسها ميتا وغيرها—ليس فقط على ما تنشره… بل على كيف تُصمِّم عقول مستخدميها.

لم تعد القضية مجرد حرية تعبير أو إدارة محتوى، بل أصبحت اتهامًا مباشرًا:
هذه المنصات تُدير السلوك البشري… وتُدمنه.

كشفت تقارير قضائية وإعلامية أمريكية أن هذا التحول في المساءلة لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة تراكم سنوات من القلق المتزايد حول طبيعة تصميم هذه المنصات، التي لم تعد تكتفي بعرض المحتوى، بل تبني بيئات رقمية كاملة تُوجّه المستخدم خطوة بخطوة داخل تجربة محسوبة بدقة. لم يعد المستخدم يختار ما يرى فقط، بل أصبح ما يراه يُعاد تشكيله باستمرار ليتماشى مع نقاط ضعفه النفسية وأنماط تفاعله.

وأشارت تحليلات تقنية إلى أن الخوارزميات التي تقف خلف هذه المنصات لم تُصمم لخدمة المستخدم بقدر ما صُممت لخدمة نموذج اقتصادي قائم على جذب الانتباه. فهي تراقب السلوك، وتحلل التفاعل، وتعيد ضخ المحتوى الذي يضمن بقاء المستخدم أطول فترة ممكنة. هذا التكرار ليس عشوائيًا، بل مبني على أنماط نفسية دقيقة، تجعل المستخدم يدخل في حلقة لا واعية من الاستهلاك المستمر.

وبيّنت دراسات نفسية وسلوكية أن هذه الأنظمة ترتبط بشكل مباشر بآليات المكافأة في الدماغ، حيث يتم تحفيز إفرازات كيميائية تعزز الشعور بالمتعة المؤقتة، ما يدفع المستخدم إلى العودة بشكل متكرر. وقد أظهرت هذه الدراسات ارتباط الاستخدام المكثف بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب وضعف التركيز واضطرابات النوم، خاصة لدى المراهقين، لكن التأثير لم يعد محصورًا في فئة عمرية محددة، بل امتد ليشمل البالغين وأنماط حياتهم اليومية وإنتاجيتهم.

وأفادت تقارير اقتصادية أن جوهر المشكلة يكمن في ما يُعرف باقتصاد الانتباه، حيث تتحول كل لحظة يقضيها المستخدم على المنصة إلى قيمة مالية. فكل تفاعل يُترجم إلى بيانات، وكل بيانات تُستخدم لاستهداف أدق، ما يؤدي إلى دورة مغلقة من التأثير المتزايد. في هذا النموذج، لا يكون الهدف تحسين تجربة المستخدم، بل تعظيم بقائه، حتى وإن كان ذلك على حساب صحته النفسية وسلوكه.

وسلّطت تحليلات حديثة الضوء على أن تطور الذكاء الاصطناعي يمثل قفزة أخطر، حيث لم تعد المنصات تكتفي بتوجيه المحتوى، بل أصبحت قادرة على التنبؤ بالسلوك وتعديله. فالذكاء الاصطناعي اليوم يستطيع تحليل الحالة المزاجية، وتحديد نقاط التفاعل، وضبط المحتوى وفقًا لها، ما يعني أن المستخدم لم يعد يتفاعل بحرية كاملة، بل داخل إطار يتم توجيهه بشكل غير مباشر ومستمر.

ولفتت تحقيقات إعلامية متداولة—رغم عدم حسمها قضائيًا بشكل نهائي—إلى أن بعض الشركات كانت على علم بتأثيرات منتجاتها على الصحة النفسية، ومع ذلك استمرت في تطوير خصائص تزيد من التعلّق السلوكي، مستفيدة من أدوات الذكاء الاصطناعي لتعميق هذا الارتباط. هذه المعطيات، إن ثبتت بشكل قاطع، قد تعيد تعريف المسؤولية القانونية والتقنية لهذه الشركات بشكل جذري.

ورأت تحليلات قانونية أن قرار محكمة كاليفورنيا قد يكون بداية لتحول تاريخي في طريقة التعامل مع هذه المنصات، حيث لم يعد النقاش يدور حول حرية الاستخدام، بل حول مسؤولية التصميم نفسه. فالسؤال لم يعد: لماذا يستخدم الناس هذه المنصات؟ بل أصبح: لماذا صُممت هذه المنصات بهذه الطريقة أصلًا؟

وفي المحصلة، تكشف هذه القضية عن واقع جديد لم يعد فيه التأثير الرقمي سطحيًا أو مؤقتًا، بل عميقًا وممتدًا داخل بنية التفكير والسلوك الإنساني. ومع تسارع تطور الذكاء الاصطناعي، تتجاوز المسألة حدود التكنولوجيا لتصل إلى جوهر الإنسان نفسه، حيث يصبح الانتباه موردًا، والسلوك قابلًا للتشكيل، والعقل ساحة مفتوحة لإعادة البرمجة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى