أكتوبر جنوب السودان مهدّد بالمجاعة و غياب الأمان

FYE-HN-UN

 

 

 

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

في جنوب السودان، لم يعد السؤال الإنساني مقتصرًا على أين يوجد الجائعون؟ بل أصبح أيضًا:هل يستطيع من يحمل إليهم الطعام والدواء الوصول حيًا؟ ففي بلد تتقاطع فيه المواجهات المسلحة مع الفيضانات والنزوح والجوع، أصبح العامل الإنساني نفسه جزءًا من خريطة المخاطر. ووفق ما أورده مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» في 18 أغسطس 2026، أعلن منسق الشؤون الإنسانية في البلاد “راماناثان بالاكريشنان”، مقتل 36 موظفًا ومتعاقدًا إنسانيًا منذ بداية العام، متجاوزًا بالفعل حصيلة عام 2025 كاملة التي بلغت 31 قتيلًا. والأكثر دلالة أن الغالبية الساحقة من الضحايا جنوب سودانيون؛ أي أن البلاد لا تخسر مجرد موظفين، بل تخسر أشخاصًا يعرفون المجتمعات المحلية ولغاتها وطرق الوصول إليها.

والقتلى ليسوا سوى الوجه الأكثر قسوة للأزمة. فقد سجلت أوتشا بين ويوليو أكثر من 450 حادثة عنف طالت العاملين أو الأصول الإنسانية، أي أكثر من ضعف العدد المسجل خلال الفترة نفسها من عام 2025. كما دفعت عودة القتال بعض المنظمات إلى نقل موظفيها أو تعديل عملياتها. ولا تعني هذه الأرقام أن جميع الحوادث نفذها طرف واحد أو أن كل اعتداء استهدف العاملين بسبب صفتهم الإنسانية، لكنها تكشف النتيجة العملية نفسها: كل طريق يصبح أخطر يعني شاحنة أبطأ، وكل فريق ينسحب يعني قرية أبعد عن الغذاء والدواء.

وهذه المعادلة تظهر مباشرة في أرقام الوصول. فبحسب البيانات التي تناقلتها المؤسسات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة، وضعت خطة الاستجابة هدفًا للوصول إلى 4.3 ملايين شخص، لكن الشركاء تمكنوا بين يناير ويونيو من الوصول إلى نحو 2.6 مليون فقط. ولا يعني الفارق البالغ قرابة 1.7 مليون شخص أن جميعهم لم يتلقوا أي مساعدة من مصادر أخرى، لكنه يكشف حجم الهوة بين ما خطط له المجتمع الإنساني وما استطاع تنفيذه فعليًا. ففي جنوب السودان، قد يصبح الوصول الذي يفترض القانون الدولي أن يكون آمنًا وغير معرقل، مفاوضة يومية تبدأ من حاجز مسلح وتنتهي أحيانًا بإلغاء المهمة بالكامل.

والمشكلة أن هذا الانكماش يحدث بينما تتسع الحاجة. إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 10 ملايين شخص يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية، فيما يواجه أكثر من 7.5 ملايين شخص مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد. وفي المقابل، لم تحصل خطة الاحتياجات والاستجابة سوى على نحو 35% من التمويل المطلوب. وحذرت”أوتشا” من احتمال تعرض خطوط الإمداد بالمساعدات الغذائية لاضطرابات ابتداءً من أكتوبر. وهنا يلتقي نقص المال بانعدام الأمن: فكل دولار إضافي يُستهلك في الحراسة أو الإجلاء أو النقل الجوي هو دولار لا يتحول إلى غذاء، وكل مخزن لا تستطيع الشاحنة الوصول إليه يبقى ممتلئًا على الورق فقط.

ولهذا حمل بيان بالاكريشنان رسالة سياسية وقانونية واضحة إلى حكومة جنوب السودان وإلى جميع الأطراف المنضوية في اتفاق السلام المنشط: حماية المدنيين والعاملين الإنسانيين وممتلكاتهم، والتحقيق في الاعتداءات، وضمان وصول المساعدات بصورة آمنة ومستدامة ومن دون عرقلة أو تسييس. ولم يسمِّ المسؤول الأممي جهة بعينها باعتبارها مسؤولة عن مجمل الاعتداءات، وهي نقطة مهمة عند قراءة الأرقام، لكن التحذير يضع السلطات والجماعات المسيطرة على الأرض أمام مسؤولية يصعب تجاوزها: حماية من يقدمون الإغاثة ليست امتيازًا تمنحه أطراف النزاع، بل التزام تفرضه قواعد العمل الإنساني والقانون الدولي.

والأزمة الجنوب سودانية ليست معزولة عن اتجاه عالمي أكثر خطورة. ففي رسالته بمناسبة اليوم العالمي للعمل الإنساني، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن أكثر من ١٠٠٠ عامل إنساني قُتلوا خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وإن معظمهم من الموظفين المحليين، مطالبًا بتوفير الموارد والمساءلة والوصول الآمن. لكن الأرقام الصادرة عن المؤسسات المختلفة لا ينبغي جمعها آليًا؛ فقاعدة Aid Worker Security Database، على سبيل المثال، تعتمد تعريفًا أضيق للحوادث الأمنية الكبرى، وبعض الوقائع الحديثة تظل قيد التحقق. ومع ذلك، تلتقي المصادر المختلفة عند حقيقة واحدة: الأشخاص الذين يفترض أن يكونوا محميين بحكم طبيعة عملهم أصبحوا هم أنفسهم أهدافًا أو ضحايا لبيئات أمنية لا توفر الحد الأدنى من الحماية.

ولهذا فإن الموعد الحقيقي للاختبار ليس نهاية العام، بل أكتوبر. فإذا دخل جنوب السودان ذلك الشهر بخطة إنسانية ممولة بنحو الثلث، وملايين الأشخاص في مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، ومئات الحوادث ضد العاملين والأصول الإنسانية، فإن تعثر الإمدادات لن يكون كارثة ظهرت فجأة، بل نتيجة لمسار كانت إشاراته معروفة مسبقًا. فحين يصبح الوصول إلى الجائع مهنة قد تكلّف صاحبها حياته، لا يعود السؤال كم عاملًا إنسانيًا يستطيع النظام أن يخسر ويواصل العمل، بل كم جائعًا سيصبح خارج متناول العالم عندما لا يبقى أحد مستعدًا أو قادرًا على الوصول إليه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى