المخا وجيزان: هل تقترب حرب اليمن من عتبة الحرب الإقليمية؟

جانب من آثار القصف على ميناء المخا اليمني
نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
لم يعد خطر عودة حرب اليمن مرتبطًا بتحرك الجبهات الداخلية وحدها، بل بالمسافة التي تستطيع الصواريخ والمسيّرات قطعها قبل أن تنقل المواجهة إلى دول الجوار. ففي 9 أغسطس/آب 2026، أعلن الحوثيون استهداف منشأة نفطية تابعة لأرامكو في جيزان جنوب غربي السعودية، بالتزامن مع هجوم بالصواريخ والمسيّرات على ميناء المخا. وأكدت السلطات السعودية إخماد حريق في منشأة تابعة للمصفاة من دون إصابات، من غير تحديد سببه، فيما أوردت وكالة أسوشيتد برس أن هجوم المخا أدى، وفق الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، إلى مقتل 7 أشخاص وإصابة 15 آخرين.
لكن بين جيزان والمخا فارق مهم في الأدلة. فقد أعلن المتحدث العسكري للحوثيين يحيى سريع إطلاق مسيّرة باتجاه منشأة أرامكو، إلا أن الرياض لم تربط رسميًا الحريق بالهجوم، ولم تظهر حتى الآن أدلة فنية مستقلة تحسم العلاقة بينهما. أما في المخا، فقد تقاطعت الروايات حول وقوع الهجوم، مع اختلافها بشأن طبيعة الأهداف. وهنا تكمن أهمية الموقع: فالمخا يقع بالقرب من باب المندب ويمثل منفذًا مهمًا للمناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة اليمنية، ما يضع الموانئ والبحر الأحمر مجددًا في قلب معادلة التصعيد.
وتزداد حساسية التطورات لأنها جاءت بعد يومين فقط من توقيع السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس/آب اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي يعتبر الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على الجميع. غير أن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أوضح أن الاتفاق لا يعني دخولًا آليًا في الحرب، وأن المساندة قد تبدأ بتبادل المعلومات وتتدرج إلى أشكال أخرى من الدعم. ولذلك تطرح جيزان أول اختبار سياسي مبكر للاتفاق: متى يتحول حادث أمني إلى «اعتداء مسلح»، وما مستوى الأدلة المطلوبة لتفعيل الدفاع الجماعي؟
والأخطر أن اليمن يدخل هذه المرحلة فوق أرضية إنسانية منهكة أصلًا. فبحسب الأمم المتحدة، يحتاج 22.3 مليون يمني إلى المساعدة والحماية خلال 2026، ويواجه 18.3 مليونًا انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، فيما يبلغ عدد النازحين داخليًا نحو 5.2 ملايين شخص. وتطلب خطة الاستجابة الإنسانية 2.16 مليار دولار للوصول إلى 12 مليون شخص، في وقت تشير فيه البيانات إلى أن قرابة 40% من المنشآت الصحية مغلقة أو تعمل جزئيًا. وهذا يعني أن أي حرب جديدة لن تبدأ من الصفر، وإنما فوق مجتمع استنزفته أزمة تجاوزت عقدًا كاملًا.
وهنا يكتسب تحذير المبعوث الأممي هانس غروندبرغ أهميته. فالأمم المتحدة تتمسك بتسوية سياسية تفاوضية، لكن الخطر أن تصبح معادلة الردع أسرع من الدبلوماسية: ضربة في المخا، وادعاء باستهداف جيزان، ثم رد ورد مقابل، حتى تجد المنطقة نفسها أمام سلسلة من القرارات التي لا يحتاج أي منها منفردًا إلى إعلان حرب، لكنها قد تنتهي مجتمعة بإشعالها.
لذلك لا يتمثل الاختبار الحقيقي لاتفاق مكة في قدرة تركيا أو باكستان على مساندة السعودية بعد تعرضها لهجوم، بل في قدرته على تحقيق الردع من دون إغلاق طريق الوساطة. فبين المخا وجيزان أصبح هناك خط رفيع يفصل حرب اليمن المتجمدة نسبيًا منذ هدنة 2022 عن مواجهة إقليمية أوسع. والسؤال لم يعد من يملك الصاروخ أو المسيّرة الأبعد مدى، بل من يستطيع إثبات ما حدث، وضبط الرد، وإيقاف السلسلة قبل أن تتحول الحرب الإقليمية من تحذير أممي إلى حقيقة على الأرض؟




