مجموعة السبع على أطلال المجد: القارة العجوز اضاعت بوصلة القيادة

نيويورك – زينة بلقاسم – الأمم المتحدة
في القمة الأخيرة لمجموعة السبع، لم يكن التحدي الأكبر أمام القادة المجتمعين في كندا هو صياغة بيان ختامي جديد أو الاتفاق على موقف موحد من الحرب في أوكرانيا أو التوترات التجارية العالمية. بل بدا أن التحدي الحقيقي كان أكثر عمقًا: كيف يمكن لمجموعة تأسست لقيادة الاقتصاد العالمي أن تتعامل مع عالم لم تعد تحتكر قيادته؟
ففي الوقت الذي كان فيه قادة الدول السبع الكبرى يناقشون الأمن والطاقة والتجارة، كانت الأرقام ترسم قصة مختلفة تمامًا. قصة انتقال تدريجي لمراكز الثقل الاقتصادي من ضفتي الأطلسي إلى آسيا، ومن الاقتصادات الغربية التقليدية إلى القوى الصاعدة التي كانت حتى وقت قريب توصف بالدول النامية.
عندما تأسست مجموعة السبع في سبعينيات القرن الماضي، كانت تمثل النموذج الاقتصادي والسياسي المهيمن عالميًا. وفي عام 1990 كانت اقتصاداتها مجتمعة تنتج ما يقارب 65% من الناتج العالمي، بينما كانت الصين تمثل أقل من 2% فقط من الاقتصاد العالمي، وكانت الهند ما تزال تعيش آثار عقود من السياسات الاقتصادية المغلقة. أما اليوم فقد تغيرت الصورة بصورة تكاد تكون تاريخية. فالصين أصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم بناتج يقترب من 19 تريليون دولار، بينما تجاوز الاقتصاد الهندي حاجز 4 تريليونات دولار، مع توقعات بأن يصبح ثالث أكبر اقتصاد عالمي خلال العقد المقبل وفق تقديرات صندوق النقد الدولي.
لكن التحول لا يتعلق بالحجم فقط، بل بسرعة الحركة. ففي الوقت الذي تتوقع فيه المؤسسات الدولية أن تحقق الهند معدلات نمو تتجاوز 6% سنويًا، وأن تواصل الصين النمو بمعدلات تقارب 5% رغم التباطؤ الاقتصادي العالمي، تكافح معظم الاقتصادات الأوروبية لتحقيق نمو يتجاوز 1% أو 2%. وهذه الفجوة في النمو قد تبدو صغيرة سنويًا، لكنها تتحول خلال عقد أو عقدين إلى فجوة هائلة في النفوذ والاستثمار والإنتاج.
ولهذا السبب لا تبدو أزمة أوروبا اقتصادية فقط، بل سياسية أيضًا. فالقارة العجوز التي قادت جزءًا كبيرًا من النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية تعاني اليوم من حالة من الجمود السياسي والانقسام الاستراتيجي. ففي ألمانيا، القوة الاقتصادية الأولى أوروبيًا، لا يزال الجدل قائمًا حول مستقبل النموذج الصناعي بعد أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية. وفي فرنسا، تتزايد الضغوط السياسية والاجتماعية وسط انقسامات داخلية متكررة. أما بريطانيا، فما زالت تبحث عن مكانها الاقتصادي الجديد بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، بينما تواجه إيطاليا تحديات مزمنة مرتبطة بالدين العام والنمو الضعيف والضغوط الديموغرافية.
وتزداد هذه التعقيدات مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. فالعلاقة عبر الأطلسي لم تعد كما كانت خلال العقود السابقة. وكما أشارت وكالة أسوشيتد برس خلال تغطيتها لقمة السبع الأخيرة، حاول القادة الأوروبيون إقناع ترامب بالحفاظ على التزام أمريكي واضح تجاه أوكرانيا والأمن الأوروبي، وسط مخاوف متزايدة من أن تتجه واشنطن إلى إعادة ترتيب أولوياتها وفق منطق “أمريكا أولًا”. وبالنسبة للعديد من العواصم الأوروبية، فإن المشكلة لا تكمن فقط في سياسات ترامب نفسها، بل في حقيقة أن أوروبا ما تزال تعتمد أمنيًا بصورة كبيرة على الولايات المتحدة، في وقت تحاول فيه بناء استقلالية استراتيجية لم تنجح بعد في تحقيقها بالكامل.
وفي المقابل، تتحرك الصين وفق رؤية طويلة المدى أكثر وضوحًا. فمنذ إطلاق مبادرة الحزام والطريق عام 2013، استثمرت بكين مئات المليارات من الدولارات في البنية التحتية والموانئ والطرق والسكك الحديدية عبر آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. كما أصبحت الشريك التجاري الأول لأكثر من 120 دولة حول العالم، وهو تطور كان يصعب تخيله قبل ثلاثة عقود فقط. وبالتوازي مع ذلك، تواصل الصين الاستثمار بكثافة في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة، في محاولة لتقليص الفجوة مع الولايات المتحدة في القطاعات الاستراتيجية المستقبلية.
أما الهند، فتقدم نموذجًا مختلفًا لكنه لا يقل أهمية. فإلى جانب امتلاكها أكبر عدد سكان في العالم بأكثر من 1.4 مليار نسمة، أصبحت نيودلهي أحد أسرع مراكز التكنولوجيا والخدمات الرقمية نموًا عالميًا. ويرى عدد من الاقتصاديين أن الهند قد تكون أكبر مستفيد من إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية، خصوصًا مع سعي الشركات الغربية إلى تقليل اعتمادها على الصين دون مغادرة آسيا بالكامل.
لكن المفاجأة الأكبر ربما لا تأتي من آسيا وحدها. فالقارة الأفريقية التي ظلت لعقود خارج مراكز القرار الاقتصادي العالمي بدأت تتحول تدريجيًا إلى ساحة المنافسة الكبرى القادمة. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عدد سكان أفريقيا قد يتجاوز 2.5 مليار نسمة بحلول عام 2050، بينما يتوقع البنك الأفريقي للتنمية أن تكون عدة دول أفريقية ضمن أسرع الاقتصادات نموًا في العالم خلال السنوات المقبلة. ولهذا تتسابق الصين والهند وتركيا ودول الخليج وحتى القوى الغربية نفسها على تعزيز حضورها الاقتصادي والاستثماري داخل القارة.
ورغم كل ذلك، فإن الحديث عن نهاية مجموعة السبع يبقى مبالغًا فيه. فهذه الدول لا تزال تمتلك أكبر الأسواق المالية العالمية، وأقوى العملات الاحتياطية، وأضخم الجامعات ومراكز البحث العلمي، كما تمثل نحو 44% من الناتج العالمي الاسمي. لكن ما يتغير اليوم ليس حجم القوة فقط، بل توزيعها. فالعالم لم يعد أحادي المركز كما كان بعد نهاية الحرب الباردة، ولم يعد الغرب اللاعب الوحيد القادر على رسم قواعد الاقتصاد والسياسة الدوليين.
ولهذا فإن قمة السبع الأخيرة بدت وكأنها لحظة مراجعة تاريخية أكثر منها قمة لإدارة العالم. فبينما كان القادة الغربيون يناقشون كيفية الحفاظ على نفوذهم، كانت الصين والهند تبنيان نفوذًا جديدًا، وكانت أفريقيا تستعد لتصبح إحدى أهم ساحات النمو في القرن الحادي والعشرين. وربما لهذا لم يعد السؤال الحقيقي: هل ستلحق الصين والهند بالغرب؟
بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تستطيع مجموعة السبع التكيف مع عالم لم تعد فيه القوة الاقتصادية والسياسية محتكرة من قبل الغرب، أم أنها ستكتفي بالوقوف على أطلال قرن كان لها فيه الكلمة الأولى والأخيرة؟




