قراءة تحليلية في.. فك شفرة التحركات السياسية السعودية اليمنية الأخيرة


✍️ أ د / عبد العزيز البكير

 

تابعنا مؤخراً الكثير من التسريبات والتحليلات التي تتحدث عن سماح الرياض لبعض قيادات “المجلس الانتقالي الجنوبي” بالعودة وإعادة ترتيب تحالفاتها، ضمن هندسة جديدة للمشهد تديرها السعودية. وبعيداً عن العاطفة السياسية والقراءات السطحية، فإن القراءة الواقعية لمسار الأحداث تكشف عن استراتيجية سعودية واضحة ومدروسة، يمكن تلخيصها في النقاط المحورية التالية:
1️⃣ تأمين المصالح الحيوية أولاً (المحافظات الشرقية)
لقد حققت الرياض هدفها الاستراتيجي الأهم، وهو إعادة ترتيب الوضع العسكري والأمني بالكامل في المحافظات الشرقية والشريط الحيوي (حضرموت، المهرة، وشبوة) تحت مظلة قوات “درع الوطن” والتشكيلات التابعة لها مباشرة.
هذه المناطق تمثل عمق المصالح السعودية الحيوية؛ لذا نجحت الدبلوماسية مدعومة بـ “العصا الغليظة” في كسر طموح المجلس الانتقالي في التمدد شرقاً، وحصرت نفوذه جغرافياً بالمحافظات الجنوبية التي شملتها هي الأخرى إعادة الهيكلة العسكرية تحت قيادة “درع الوطن”.
2️⃣ العودة المشروطة.. سياسة الاحتواء لا الحل
إن عودة أي قيادات من المجلس الانتقالي الجنوبي إلى عدن لا تعني تفويضاً جديداً أو ضوءاً أخضر للتصعيد، بل تندرج ضمن سياسة “احتواء وإدارة الأزمة لا حلها”. فـ “الانتقالي” يعود اليوم أو إن عاد، وهو في أضعف حالاته عسكرياً وسياسياً، حتى في معاقله التقليدية (عدن، لحج، الضالع، وأبين).
جاء ذلك بعد عملية تفكيك وإعادة هيكلة لامتيازاته السابقة، بالتوازي مع إبراز شركاء محليين أقوياء من أبناء هذه المحافظات (مثل اللواء محمود الصبيحي في لحج، وأحمد الميسري في أبين، وغيرهم)، مما يسحب البساط تدريجياً من تحت فكرة “الممثل الوحيد”.
3️⃣ من يملك قرار الحرب والسلام؟

يجب أن ندرك بواقعية أن القيادات المتواجدة في “المجلس الرئاسي” أو التشكيلات التابعة له، تتحرك في نهاية المطاف ضمن سقف محدد وبتوجيهات واضحة؛ فهم في المحصلة أدوات تنفيذية لسياسة الرياض.
بناءً على ذلك، لم تعد السعودية تكترث بالصراعات البينية الصغيرة في الجنوب، بل تركز ثقلها على “الخصم الحقيقي” والطرف الصلب والرئيس على الأرض، وهو (سلطة صنعاء).
4️⃣ البحث عن “الخروج الآمن” ووقف الاستنزاف
لقد استُنزفت الرياض مالياً وسياسياً بمليارات الدولارات، وتضاعف هذا العبء بعد انسحاب الإمارات من المشهد المباشر وتفرد السعودية بالمسؤولية الكاملة. لذلك، فإن الهدف النهائي للسياسة السعودية الآن هو “تصفير المشاكل والخروج الآمن من المستنقع اليمني”.
هذا الخروج لن يتحقق إلا عبر اتفاق وتوافق سياسي واقتصادي مباشر مع صنعاء. وبناءً عليه، فإن أي ترتيبات تجريها الرياض في الجنوب (بما فيها إضعاف الانتقالي، أو إعادة تدويره، أو حتى الضغط بورقة اتهام الزبيدي وبعض مساعديه أمام مجلس الأمن الدولي بالخيانة العظمى)، كلها خطوات تخدم في الأساس تهيئة الأرضية للتوافق القادم مع صنعاء لإنهاء الصراع.

الخلاصة: ان المشهد في الجنوب قد يُعاد صياغته اليوم ليكون متوافقاً مع شروط وإملاءات السلام القادم بين الرياض وصنعاء، وليس وفقاً لأحلام المشاريع الضيقة؛ فالمياه تتدفق بقوة باتجاه تسوية كبرى، ومن لا يجيد قراءة موازين القوى الدولية والإقليمية بدقة، سيجد نفسه حتماً خارج حسابات الطاولة النهائية.

هذه مجرد قراءة واستنتاج شخصي متواضع من خلال التحليل الحصيف للمشهد السياسي اليمني-السعودي الراهن؛ وهي ليست مفروضة على أحد أو ملزمة للاتفاق معها..

من صفحة الكاتب على فيسبوك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى