الدبلوماسية الإيرانية.. أداة تكتيكية لإدارة النفوذ وليست خياراً استراتيجياً للسلام

 

 

بقلم ✍️ : العميد احمد العواضي باحث في الشؤون الأمنية والسياسية.

يصعب فهم السياسة الخارجية الإيرانية من خلال الخطاب الدبلوماسي المعلن فقط، فالتجربة الممتدة منذ أكثر من أربعة عقود تكشف أن طهران تتعامل مع الدبلوماسية بوصفها أداة تكتيكية لإدارة الأزمات وتحقيق المكاسب المرحلية، وليس باعتبارها خياراً استراتيجياً قائماً على بناء الثقة وترسيخ المصالح المشتركة مع دول الجوار.

ففي الوقت الذي تتحدث فيه إيران عن الحوار والتعاون الإقليمي واحترام سيادة الدول، تظهر ممارساتها على الأرض صورة مختلفة تقوم على توظيف الجماعات المسلحة العابرة للحدود، وتوسيع دوائر النفوذ السياسي والعسكري، وتحويل الأزمات الإقليمية إلى أوراق ضغط تخدم مشروعها الاستراتيجي طويل المدى.

لقد أثبتت التجارب المتعاقبة أن المرونة الدبلوماسية الإيرانية غالباً ما ترتبط بحسابات القوة والضعف أكثر من ارتباطها بتحولات جوهرية في الرؤية السياسية. فعندما تتعرض طهران لعقوبات اقتصادية خانقة أو ضغوط سياسية وأمنية متزايدة، تتجه نحو طاولة المفاوضات وتتبنى خطاباً تصالحياً، لكن هذه المرونة تتراجع بمجرد تحسن ظروفها أو حصولها على مكاسب تخفف من حدة الضغوط المفروضة عليها.

هذا السلوك يعكس طبيعة التفكير الاستراتيجي للنظام الإيراني الذي ينظر إلى النفوذ الخارجي باعتباره جزءاً من منظومة الأمن القومي الإيراني، وليس مجرد أداة للسياسة الخارجية. ومن هذا المنطلق، لم تكتفِ طهران ببناء علاقات دبلوماسية تقليدية، بل عملت على إنشاء شبكات نفوذ متداخلة في عدد من الدول العربية، بما يضمن لها القدرة على التأثير في القرارات السياسية والأمنية لتلك الدول.

وفي اليمن تتجلى هذه الاستراتيجية بصورة أكثر وضوحاً. فمنذ سنوات، أصبح الملف اليمني أحد أهم أدوات إيران في معادلة الصراع الإقليمي. فدعم جماعة الحوثي لم يكن مجرد موقف سياسي عابر، بل جزءاً من رؤية أوسع تهدف إلى امتلاك أوراق ضغط مؤثرة في جنوب الجزيرة العربية وعلى مقربة من أحد أهم الممرات البحرية العالمية.

لقد أدركت إيران مبكراً أن السيطرة غير المباشرة على مناطق النفوذ أكثر فاعلية وأقل كلفة من التدخل العسكري المباشر. ولذلك اعتمدت على نموذج “الوكلاء المحليين” الذين يوفرون لها القدرة على التأثير السياسي والعسكري دون تحمل التبعات الكاملة للمواجهة المباشرة. وهذه المقاربة منحت طهران مساحة واسعة للمناورة، لكنها في المقابل ساهمت في إطالة أمد الصراعات وزيادة مستويات عدم الاستقرار في المنطقة.

وتكشف التطورات الإقليمية الأخيرة أن إيران لا تنظر إلى ملفات العراق وسوريا ولبنان واليمن باعتبارها ساحات منفصلة، بل كجزء من منظومة نفوذ مترابطة تمنحها أوراقاً تفاوضية في مواجهة خصومها الإقليميين والدوليين. ولذلك فإن أي قراءة للدبلوماسية الإيرانية بمعزل عن هذه المنظومة تبقى قراءة ناقصة لا تعكس حقيقة الأهداف الاستراتيجية التي تحرك السياسة الإيرانية.

ومن منظور أمني، فإن الخطر لا يكمن في امتلاك إيران مشروعاً إقليمياً فحسب، فلكل دولة مصالحها وتطلعاتها، وإنما في اعتمادها على أدوات تؤدي إلى إضعاف مؤسسات الدولة الوطنية وتعزيز الفاعلين المسلحين خارج الأطر القانونية. فهذه السياسة تخلق بيئات هشة قابلة للاختراق، وتفتح المجال أمام دورات متكررة من العنف والصراع وعدم الاستقرار.

كما أن الفجوة بين الخطاب والممارسة تظل واحدة من أبرز الإشكاليات في السياسة الخارجية الإيرانية. فبينما ترفع طهران شعارات الحوار وحسن الجوار، تستمر في دعم قوى مسلحة تتعارض أنشطتها مع مبادئ سيادة الدول والقانون الدولي، الأمر الذي يضعف الثقة الإقليمية ويجعل أي تقارب سياسي عرضة للشكوك والحسابات الأمنية المعقدة.

اليوم تقف المنطقة أمام مرحلة جديدة تتسم بإعادة تشكيل موازين القوى وتغير أولويات الفاعلين الإقليميين والدوليين. وفي ظل هذه التحولات، لم يعد كافياً أن تقدم إيران نفسها كشريك للحوار، بل أصبح مطلوباً منها أن تبرهن عملياً على استعدادها للتخلي عن سياسات النفوذ بالوكالة واحترام سيادة الدول ومؤسساتها الوطنية.

إن السلام الدائم في الشرق الأوسط لن يتحقق عبر إدارة الصراعات أو توظيفها لخدمة مشاريع النفوذ، بل عبر بناء شراكات متوازنة قائمة على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل. وحتى يحدث ذلك، ستظل الدبلوماسية الإيرانية في نظر كثير من المراقبين أداة تكتيكية لإدارة المشروع الإقليمي أكثر من كونها خياراً استراتيجياً لصناعة السلام والاستقرار.

وفي المحصلة، فإن تقييم السياسة الخارجية الإيرانية يجب أن يستند إلى الأفعال لا الأقوال، وإلى ما تنتجه السياسات على الأرض لا ما تعلنه المنابر الدبلوماسية. فالتاريخ السياسي الحديث للمنطقة يؤكد أن النفوذ الذي يُبنى على الأزمات قد يحقق مكاسب مؤقتة، لكنه نادراً ما يصنع استقراراً دائماً أو علاقات جوار مستدامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى