الإمام دويدار ومانهاتن.. في حضرة المعنى تُبنى الأمم

نيويورك – خاص – أحمد محارم – عين اليمن الحر
في زمنٍ تتكاثر فيه أسباب الانقسام أكثر من دوافع اللقاء، ويبدو العالم وكأنه يعيد إنتاج مخاوفه القديمة في صورٍ جديدة، لم تعد الأزمة الحقيقية أزمة اقتصادٍ أو سياسةٍ أو صراع نفوذ فحسب، بل أزمة معنى؛ أزمة إنسان يبحث عن نفسه وسط عالمٍ يزداد قسوةً وضجيجًا، حتى باتت الروح أكثر الأشياء استنزافًا في هذا العصر. وبين صخب المصالح، وارتفاع أسوار الكراهية، وتراجع لغة الحكمة، تظل دور العبادة من آخر الحصون الأخلاقية التي تُذكّر الإنسان بحقيقته الأولى؛ بأنه لم يُخلق ليخوض معارك الإلغاء، بل ليبحث عن السكينة، ويعمر الأرض بالرحمة، ويتعلّم كيف يكون أكثر إنسانية.
فالمساجد والكنائس والمعابد لم تُبنَ لتكون مجرد جدران تُرفع أو طقوس تُمارس في أوقات محددة، بل لتغدو مدارس للضمير، ومساحات تُهذّب النفس، وتعيد ترميم الإنسان من الداخل، وتُذكّره بأن القيم ليست رفاهية أخلاقية، بل شرطٌ لبقاء المجتمعات متماسكة. فالأوطان لا تُشيَّد بالإسمنت وحده، بل تُبنى أولًا في الضمير؛ حيث تُزرع الرحمة قبل القوانين، والوعي قبل الصراع، والانتماء قبل المصالح الضيقة.
وفي المجتمعات الغربية تحديدًا، تتعاظم أهمية دور العبادة بوصفها مؤسسات روحية وثقافية واجتماعية، تؤدي أدوارًا تتجاوز الوعظ والإرشاد إلى بناء التفاهم، وترسيخ ثقافة التعايش، وصناعة مساحات إنسانية مشتركة وسط مجتمعات شديدة التنوع والتعقيد. ولعل مدينة نيويورك، تلك المدينة التي طالما قُدّمت للعالم بوصفها «بوتقة الحضارات»، تمنحنا نموذجًا حيًا على إمكانية تعايش المختلفين دون أن يُلغي أحدهم الآخر.
وفي قلب مانهاتن، وسط حي المال والأعمال، وعلى مقربة من واحدة من أشهر الكنائس، وأحد أكبر المعابد اليهودية، يقف مسجد عثمان بن عفان “المركز الإسلامي في منهاتن” شاهدًا على معنى أعمق من مجرد وجود مسجد في مدينة غربية؛ إنه شاهد على فكرةٍ أكبر: أن الإسلام، حين يُقدَّم في صورته الحقيقية، لا يصنع عزلةً، بل يمدّ الجسور، ويفتح أبواب الفهم.
وعلى مدار أكثر من ثلاثة عقود، حمل الإمام الدكتور أحمد دويدار مسؤولية هذا المكان، لا بوصفه إمامًا يؤم المصلين فحسب، بل باعتباره صاحب رسالة إنسانية تتجاوز حدود المنبر. ثلاثون عامًا من الحضور الهادئ، والعمل المتراكم، وصناعة الثقة داخل مجتمع شديد الحساسية تجاه قضايا الدين والهوية والانتماء.
وربما لهذا لم يكن اختيارًا عابرًا أن يقف الإمام دويدار ممثلًا عن الإسلام إلى جوار ممثلين عن المسيحية واليهودية مع الرئيس الأمريكي جورج بوش في موقع «الجراوند زيرو» عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ تلك اللحظة التي كان العالم فيها في أمسّ الحاجة إلى صوت الحكمة، وإلى وجوهٍ تُذكّر الناس بأن الإرهاب لا يمثل دينًا، وأن الإيمان الحقيقي لا يمكن أن يكون خصمًا للإنسانية.
ولم يكن من قبيل الصدفة أيضًا أن يختار عمدة نيويورك السابق بيل دي بلاسيو مسجد عثمان بن عفان ” المركز الإسلامي بمنهاتن” ليعلن من داخله اعتراضه على سياسات الإقصاء ورفضه لقرارات منع دخول مواطني بعض الدول الإسلامية، مؤكدًا أن قوة نيويورك الحقيقية لا تكمن في عمرانها فقط، بل في قدرتها على احتضان الاختلاف.
وحين تُبنى الثقة، يصبح الحوار ممكنًا؛ لذلك لم يكن غريبًا أن يحتفظ الإمام دويدار بعلاقات إنسانية ومهنية رفيعة مع القائمين على دور العبادة المختلفة، وأن يشارك في مبادرات وندوات حوار الأديان، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الاختلاف لا يجب أن يتحول إلى خصومة، بل يمكن أن يكون مساحة أوسع للفهم والنضج الإنساني.
وفي خطبة الجمعة، ثالث أيام عيد الأضحى المبارك، بدا واضحًا أن التجربة الطويلة لا تصنع فقط إمامًا جيدًا، بل تصنع خطابًا قادرًا على النفاذ إلى العقل والقلب معًا. تحدث الإمام عن الحج، ثم توقف عند أقصر سور القرآن الكريم «سورة قريش»، ليكشف بإحكامٍ المعنى اللغوي والدلالي الذي يجعل النص القرآني ممتدًا عبر الأزمنة، قادرًا على مخاطبة الماضي والحاضر والمستقبل في آنٍ واحد.
ثم انتقل إلى الإنسان نفسه؛ إلى الطمع بوصفه أحد أكثر الأمراض التي تُفسد الأرواح، وإلى معنى القرب من الله باعتباره بابًا للتيسير والسكينة والانتصار على قلق الحياة. لم يكن خطابًا وعظيًا تقليديًا، بل حديثًا يحمل حكمة التجربة، وهدوء العالم، وصدق الإنسان الذي عاش طويلًا بين الناس فعرف كيف يصل إلى قلوبهم.
وأنا، كواحد من الحاضرين، كانت عيناي تتنقلان بين وجوه المصلين؛ أعراق متعددة، ولغات مختلفة، وخلفيات متباينة، لكن شيئًا واحدًا كان يجمع الجميع: الإصغاء العميق. هنا فقط أدركت أن الخطاب الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج كي يُقنع، وأن الكلمة الصادقة قادرة على عبور كل الحواجز الثقافية واللغوية حين تخرج من قلبٍ يفهم الإنسان قبل أن يخاطبه.
وربما هنا تكمن الحكمة الأعمق: فالدين، حين يُفهم على حقيقته، لا يصنع متاريس بين البشر، بل يفتح نوافذ للرحمة والفهم. ودور العبادة ليست مجرد معالم تُزيّن المدن، بل مؤسسات تحفظ توازن المجتمعات حين تضطرب، وتمنح الإنسان بوصلة أخلاقية حين تتيه الاتجاهات. فالأمم لا تنهار حين تضعف جدرانها، بل حين تتآكل قيمها، ولا تنهض بكثرة أبراجها ولا اتساع وارتفاع عمرانها، بل حين تسمو بأخلاقها، ويعلو فيها مقام الإنسان، ويصبح بناء الوعي والضمير والروح سابقًا على كل بناء.




